الِانْتِخَابَاتُ الْبَلَدِيَّةُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ فِي مِيزَانِ الْإِسْلَام
خطبة الجمعة
للشيخ : زهير بن حسن حميدات
https://www.youtube.com/watch?v=Iw_tRa1E2nM
الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُه، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَه. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، إِلَهٌ تَفَرَّدَ بِالْجَلَالِ وَالْكَمَال، وَتَقَدَّسَ عَنِ الْأَشْبَاهِ وَالْأَمْثَال، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْر، وَبِيَدِهِ النَّفْعُ وَالضُّر، لَا رَادَّ لِقَضَائِه، وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِه، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، وَصَفِيُّهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيلُه، أَرْسَلَهُ اللَّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُون. فَبَلَّغَ الرِّسَالَة، وَأَدَّى الْأَمَانَة، وَنَصَحَ الْأُمَّة، وَكَشَفَ الْغُمَّة، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه، وَأَقَامَ سُوقَ الْجِهَادِ وَالْحُجَّة، وَتَرَكَنَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِك. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيم، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِين، الَّذِينَ لَمْ يُبَدِّلُوا وَلَمْ يُغَيِّرُوا، بَلْ عَضُّوا عَلَى الْجَمْر، وَصَبَرُوا عَلَى اللَّأْوَاء، وَثَبَتُوا حَتَّى أَتَاهُمُ الْيَقِين.
أَمَّا بَعْد،
فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،
أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ الْمُقَصِّرَةَ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ، فَهِيَ الزَّادُ لِيَوْمِ الْمَعَاد، وَهِيَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَن. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ [سورة الحشر: 18].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون، يَا أَهْلَ الرِّبَاطِ فِي أَرْضِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاج:
إِنَّ الشَّيْطَانَ الرَّجِيم، عَدُوَّ ابْنِ آدَمَ الْأَوَّل، لَا يَأْتِي الْإِنْسَانَ دَائِمًا بِوَجْهِهِ الْقَبِيحِ الْمَكْشُوف، وَلَا يَدْعُوهُ إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَالْكُفْرِ بِصَرِيحِ الْعِبَارَةِ فِي كُلِّ حِين، بَلْ إِنَّ أَخْطَرَ حَبَائِلِ الشَّيْطَانِ هِيَ "تَسْمِيَةُ الْمُحَرَّمَاتِ بِغَيْرِ أَسْمَائِهَا"، وَتَزْيِينُ الْبَاطِلِ بِلَبُوسِ الْحَقّ، وَزَخْرَفَةُ الْكُفْرِ بِشِعَارَاتِ الْمَصْلَحَةِ وَالْخِدْمَة.
أَلَمْ يُخْرِجِ الشَّيْطَانُ أَبَوَيْكُمْ آدَمَ وَحَوَّاءَ مِنَ الْجَنَّةِ حِينَمَا سَمَّى "الشَّجَرَةَ الْمُحَرَّمَة" بِاسْمٍ آخَر؟ سَمَّاهَا "شَجَرَةَ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى"! فَكَانَ الِاسْمُ بَرَّاقًا، وَالْمُحْتَوَى سُمًّا وَطَرْدًا مِنَ الرَّحْمَة.
وَفِي زَمَانِنَا هَذَا، وَفِي وَاقِعِنَا الْفِلَسْطِينِيِّ الْمَرِير، يُعَادُ السِّينَارْيُو ذَاتُه. يُدْعَى النَّاسُ إِلَى "الشِّرْكِ السِّيَاسِي"، وَإِلَى "التَّحَاكُمِ لِلطَّاغُوت"، وَإِلَى "إِقْرَارِ الْمَنَاهِجِ الْعِلْمَانِيَّة"، وَلَكِنْ لَيْسَ تَحْتَ اسْمِ "الْكُفْر"، بَلْ تَحْتَ أَسْمَاءٍ نَاعِمَةٍ بَرَّاقَة: "انْتِخَابَات بَلَدِيَّة"، "خِدْمَات مَحَلِّيَّة"، "تَطْوِير بِنْيَة تَحْتِيَّة"، "مُشَارَكَة مُجْتَمَعِيَّة".
نَعَم، بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَة، سَتُنْصَبُ الْفِخَاخُ فِي مُدُنِ وَقُرَى الضَّفَّة، وَسَتُفْتَحُ صَنَادِيقُ الِاقْتِرَاع، وَسَيُدْعَى النَّاسُ -بِاسْمِ الْوَاجِبِ الْوَطَنِيِّ تَارَةً وَبِاسْمِ الْعَشِيرَةِ تَارَةً وَبِاسْمِ الدِّينِ الْمُزَوَّرِ تَارَةً أُخْرَى- لِيُشَارِكُوا فِي تَجْدِيدِ دِمَاءِ مَنْظُومَةٍ لَا تَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه.
سَيَقُولُ قَائِل، وَمِنْ وَرَائِهِ جَيْشٌ مِنَ الْمُثَبِّطِينَ وَالْمُنْهَزِمِين: "يَا شَيْخ، هَوِّنْ عَلَيْك! الْأَمْرُ لَا يَعْدُو كَوْنَهُ اخْتِيَارَ رَجُلٍ يُنَظِّفُ الشَّارِع، وَيُعَبِّدُ الطَّرِيق، وَيُوصِلُ الْمَاءَ وَالْكَهْرُبَاء.. مَا عَلَاقَةُ هَذَا بِالدِّينِ وَالْعَقِيدَةِ وَالْحَاكِمِيَّة؟ هَذِهِ بَلَدِيَّاتٌ خِدْمِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بَرْلَمَانًا تَشْرِيعِيًّا!".
هَذِهِ، وَاللَّهِ، هِيَ الشُّبْهَةُ الْكُبْرَى، وَهَذَا هُوَ التَّلْبِيسُ الْأَخْطَر. وَلِلرَّدِّ عَلَى هَذَا الزَّعْمِ الْمُتَهَافِت، وَلِبَيَانِ أَنَّ الِانْتِخَابَاتِ الْبَلَدِيَّةَ فِي ظِلِّ الْأَنْظِمَةِ الْوَضْعِيَّةِ هِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْمَنْظُومَةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ الْمُحَرَّمَة، نَسُوقُ لَكُمُ الْحَقَائِقَ الشَّرْعِيَّةَ وَالْوَاقِعِيَّةَ التَّالِيَة، فَأَعِيرُونِي قُلُوبَكُمْ وَأَسْمَاعَكُم:
أَوَّلًا: وَحْدَةُ الْمَرْجِعِيَّةِ الْقَانُونِيَّة (الْفَرْعُ يَتْبَعُ الْأَصْل):
يَا عِبَادَ اللَّه،
إِنَّ الْمَجْلِسَ الْبَلَدِيّ، رَئِيسًا وَأَعْضَاء، لَا يَعْمَلُونَ فِي فَرَاغ، وَلَا يَحْكُمُونَ بِأَهْوَائِهِم، وَلَا يَرْجِعُونَ فِي إِدَارَتِهِمْ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّة. إِنَّهُمْ مَحْكُومُونَ بِنُصُوصٍ قَانُونِيَّةٍ صَارِمَة.
اسْأَلُوا أَنْفُسَكُم: مَا هُوَ الْقَانُونُ الَّذِي يُنَظِّمُ عَمَلَ الْبَلَدِيَّاتِ فِي بِلَادِنَا؟ إِنَّهُ "قَانُونُ الْهَيْئَاتِ الْمَحَلِّيَّة" الْفِلَسْطِينِيّ. وَمِنْ أَيْنَ نَبَعَ هَذَا الْقَانُون؟ هَلْ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام؟! أَمِ اسْتَنْبَطَهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيّ؟!
كَلَّا! إِنَّهُ قَانُونٌ وَضَعَهُ "الْمَجْلِسُ التَّشْرِيعِيّ" (الْبَرْلَمَان)، وَصَادَقَ عَلَيْهِ "الرَّئِيس"، وَفْقًا لِـ "الْقَانُون الْأَسَاسِيّ" (الدُّسْتُور) الَّذِي يَنُصُّ عَلَى أَنَّ الشَّعْبَ هُوَ مَصْدَرُ السُّلُطَات.
إِذَنْ، شَجَرَةُ الْبَلَدِيَّاتِ جُذُورُهَا فِي الدِّيمُقْرَاطِيَّة، وَسَاقُهَا الْقَوَانِينُ الْوَضْعِيَّة، وَثِمَارُهَا تَنْفِيذُ قَرَارَاتِ النِّظَامِ الْعِلْمَانِيّ.
إِنَّ رَئِيسَ الْبَلَدِيَّةِ هُوَ "مُوَظَّفٌ تَنْفِيذِيّ" عِنْدَ وَزِيرِ الْحُكْمِ الْمَحَلِّيّ، وَوَزِيرُ الْحُكْمِ الْمَحَلِّيِّ جُزْءٌ مِنْ حُكُومَةٍ لَا تَحْكُمُ بِشَرْعِ اللَّه. فَكَيْفَ نَفْصِلُ الرَّأْسَ عَنِ الْجَسَد؟ وَكَيْفَ نَقُولُ إِنَّ الْيَدَ طَاهِرَةٌ بَيْنَمَا الْقَلْبُ فَاسِد؟! وَالْيَدُ هِيَ الْبَلَدِيَّةُ وَالْقَلْبُ هُوَ الدُّسْتُورُ وَالنِّظَام.
ثَانِيًا: كَارِثَةُ الْقَسَمِ وَالْيَمِين:
يَا مَنْ تُرِيدُونَ الذَّهَابَ لِلصَّنَادِيق، اعْلَمُوا أَنَّ أَوَّلَ مَا يَفْعَلُهُ الْفَائِزُونَ فِي هَذِهِ الِانْتِخَابَاتِ هُوَ "الْقَسَم".
عَلَى مَاذَا يُقْسِمُون؟ هَلْ يُقْسِمُونَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ وَأَنْ يَتَّقُوا اللَّه؟
لَا وَاللَّه! إِنَّهُمْ يُقْسِمُونَ الْيَمِينَ الْقَانُونِيَّةَ عَلَى "احْتِرَامِ الْقَانُونِ وَالدُّسْتُورِ وَالْأَنْظِمَة".
إِنَّ الْمُسْلِمَ الْمُوَحِّدَ عِنْدَمَا يَتَرَشَّحُ أَوْ يَنْتَخِب، فَهُوَ يُخَوِّلُ شَخْصًا لِيَقِفَ وَيَقُول: "أُقْسِمُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ أَنْ أَحْتَرِمَ الْقَانُونَ الْوَضْعِيّ". وَالْقَانُونُ الْوَضْعِيُّ يُبِيحُ الرِّبَا (فِي الْبُنُوكِ الَّتِي تُرَخِّصُهَا الْبَلَدِيَّة)، وَيَحْمِي الْفَوَاحِش (بِقُوَّةِ الْقَانُون)، وَيُسَاوِي بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِر.
فَأَيُّ جَرِيمَةٍ عَقَدِيَّةٍ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُقْسِمَ الْمُسْلِمُ عَلَى تَعْظِيمِ وَاحْتِرَامِ شَرِيعَةٍ غَيْرِ شَرِيعَةِ اللَّه؟ وَاللَّهِ لَوْ كَانَتِ الْبَلَدِيَّةُ تُوَزِّعُ ذَهَبًا وَفِضَّةً عَلَى النَّاس، وَكَانَ ثَمَنُ ذَلِكَ أَنْ نُقْسِمَ عَلَى احْتِرَامِ قَانُونٍ يُخَالِفُ الْقُرْآن، لَكَانَ الثَّمَنُ غَالِيًا، وَلَكَانَتِ الصَّفْقَةُ خَاسِرَة. قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَة﴾ [سورة آل عمران: 77].
ثَالِثًا: آلِيَّةُ الصُّنْدُوقِ الدِّيمُقْرَاطِيَّة (الْمُسَاوَاةُ الظَّالِمَة):
إِنَّ جَوْهَرَ اعْتِرَاضِنَا الْعَقَدِيِّ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى "مَاذَا تَفْعَلُ الْبَلَدِيَّة"، بَلْ عَلَى "كَيْفَ نَخْتَارُ مَنْ يُدِيرُهَا".
إِنَّكُمْ فِي هَذِهِ الِانْتِخَابَاتِ الْقَادِمَة، سَتَلْجَؤُونَ إِلَى "الصُّنْدُوقِ الدِّيمُقْرَاطِيِّ" ذَاتِه، وَبِنَفْسِ الْآلِيَّةِ الْعَمْيَاءِ الَّتِي مَقَتَهَا اللَّه.
فِي هَذَا الصُّنْدُوق، يَتَسَاوَى صَوْتُ الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ الْحَافِظِ لِكِتَابِ اللَّه، مَعَ صَوْتِ السِّكِّيرِ الْعِرْبِيد، مَعَ صَوْتِ الشُّيُوعِيِّ الْمُلْحِد، مَعَ صَوْتِ الْعَاهِرَةِ الَّتِي تَبِيعُ شَرَفَهَا. كُلُّهُمْ سَوَاء! "صَوْتٌ وَاحِدٌ لِكُلِّ مُوَاطِن".
هَلْ هَذَا هُوَ مِيزَانُ اللَّه؟
اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ يَقُول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون﴾ [سورة القلم: 35-36].
وَيَقُولُ سُبْحَانَه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُون﴾ [سورة الزمر: 9].
وَيَقُول: ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُون﴾ [سورة السجدة: 18].
الْقُرْآنُ يَنْفِي الْمُسَاوَاة، وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةُ (وَالِانْتِخَابَاتُ الْبَلَدِيَّةُ تَطْبِيقٌ لَهَا) تُثْبِتُ الْمُسَاوَاةَ الْمُطْلَقَةَ فِي حَقِّ الِاخْتِيَارِ وَالتَّقْرِير.
فَعِنْدَمَا تَذْهَبُ وَتَضَعُ وَرَقَتَكَ فِي الصُّنْدُوق، أَنْتَ تَشْهَدُ شَهَادَةً عَمَلِيَّةً بِأَنَّكَ تَقْبَلُ بِهَذَا الْمِيزَانِ الْأَعْوَج، وَأَنَّكَ تَرْضَى أَنْ يَكُونَ رَأْيُ الْفَاسِقِ مُسَاوِيًا لِرَأْيِك، وَأَنَّ الْغَلَبَةَ لِلْكَثْرَةِ لَا لِلْحَقّ.
إِنَّ الْحَقَّ فِي الْإِسْلَامِ يُعْرَفُ بِالدَّلِيل، لَا بِالْكَثْرَة. أَمَّا فِي دِينِ الِانْتِخَابَات، فَالْحَقُّ هُوَ مَا قَالَهُ "الْأَكْثَرُون"، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى ضَلَالَة.
ثُمَّ دَعُونَا نُنَاقِشُ حُجَّةَ "الْخِدْمَات" عَقْلِيًّا وَشَرْعِيًّا.
يَقُولُون: الْبَلَدِيَّةُ تُنَظِّمُ الْأَسْوَاقَ وَتَبْنِي الطُّرُق. جَمِيل! وَلَكِنْ مَاذَا أَيْضًا؟
أَلَيْسَتِ الْبَلَدِيَّةُ هِيَ الَّتِي تُعْطِي "رُخَصَ الْحِرَفِ وَالْمِهَن"؟
إِذَا جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ فَتْحَ "بَنْكٍ رِبَوِيّ" فِي مَدِينَتِكُم، مَنِ الَّذِي يُعْطِيهِ "رُخْصَةَ مُزَاوَلَةِ الْمِهْنَة" وَيُوصِلُ لَهُ الْمَاءَ وَالْكَهْرُبَاء؟ إِنَّهَا الْبَلَدِيَّة!
وَهَلْ يَمْلِكُ رَئِيسُ الْبَلَدِيَّةِ أَنْ يَرْفُضَ التَّرْخِيصَ بِحُجَّةِ أَنَّ "الرِّبَا حَرَام"؟
لَا! الْقَانُونُ الْوَضْعِيُّ الَّذِي أَقْسَمَ عَلَى احْتِرَامِهِ سَيُجْبِرُهُ عَلَى التَّرْخِيص، وَإِلَّا عَزَلَتْهُ الْمَحْكَمَة.
إِذَا جَاءَ مَنْ يُرِيدُ فَتْحَ مَقْهًى لِلشِّيشَةِ وَالِاخْتِلَاط، أَوْ صَالَةً لِلْأَفْرَاحِ الْمَاجِنَة، مَنْ يُرَخِّصُهَا؟ الْبَلَدِيَّة!
إِذَنْ، الْبَلَدِيَّةُ فِي ظِلِّ هَذَا النِّظَامِ هِيَ "بَوَّابَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَقَانُونِيَّة" لِتَسْهِيلِ الْمَعَاصِي، وَجِبَايَةِ الضَّرَائِبِ وَالْمُكُوسِ الْمُحَرَّمَةِ مِنَ النَّاسِ لِتَصُبَّ فِي خَزِينَةِ الدَّوْلَةِ الَّتِي لَا تَحْكُمُ بِشَرْعِ اللَّه.
فَأَيُّ خِدْمَةٍ هَذِهِ الَّتِي تَكُونُ وَسِيلَةً لِإِشَاعَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَتَقْنِينِهَا؟
إِنَّ الْمُشَارَكَةَ فِي إِدَارَةِ هَذَا الْمِرْفَقِ بِشُرُوطِهِ الْحَالِيَّةِ هُوَ نَوْعٌ مِن "التَّعَاوُنِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان"، وَاللَّهُ يَقُول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَان﴾ [سورة المائدة: 2].
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْأَحْبَاب:
إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي هَذِهِ الِانْتِخَابَاتِ الْبَلَدِيَّةِ الْيَوْم، هُوَ أَنَّهَا "حَلْوَى مَسْمُومَة" تُقَدَّمُ لِلْإِسْلَامِيِّينَ وَلِلنَّاسِ الْمُتَدَيِّنِين، لِاسْتِدْرَاجِهِمْ خُطْوَةً خُطْوَةً نَحْوَ "مُسْتَنْقَعِ النِّظَام".
إِنَّهُمْ يُرِيدُونَكُمْ أَنْ تَنْشَغِلُوا بِكَنْسِ الشَّوَارِعِ عَنْ "كَنْسِ الِاحْتِلَالِ وَأَعْوَانِه".
يُرِيدُونَكُمْ أَنْ تَغْرَقُوا فِي تَفَاصِيلِ الْمِيزَانِيَّاتِ وَالْمَشَارِيع، وَتَنْسَوُا الْقَضِيَّةَ الْكُبْرَى: قَضِيَّةَ تَحْكِيمِ الشَّرِيعَةِ وَتَحْرِيرِ الْأَرْض.
إِنَّهَا عَمَلِيَّةُ "تَطْبِيع" نَفْسِيّ. عِنْدَمَا يُشَارِكُ "الشَّيْخ" وَ"الدَّاعِيَة" فِي الِانْتِخَابَاتِ الْبَلَدِيَّة، وَيُعَلِّقُ صُورَتَهُ فِي الشَّوَارِع، وَيَتَحَاكَمُ لِلصَّنَادِيق، يَعْتَادُ النَّاسُ عَلَى هَذَا الْمَشْهَد. وَتُصْبِحُ "الدِّيمُقْرَاطِيَّة" مُمَارَسَةً مَأْلُوفَة، وَيَذُوبُ حَاجِزُ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاء" فِي قُلُوبِ الْجِيلِ النَّاشِئ.
يَقُولُ قَائِلُهُم: "نَدْخُلُ لِنُخَفِّفَ الشَّر". وَنَقُول: "الشَّرُّ لَا يُدْفَعُ بِشَرٍّ مِثْلِه". لَا يُغْسَلُ الْبَوْلُ بِالْبَوْل.
لَا نُصْلِحُ فَسَادَ الْإِدَارَةِ بِفَسَادِ الْعَقِيدَة.
لَقَدْ عُرِضَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ بَلَدِيَّةِ مَكَّة. عُرِضَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا وَسَيِّدًا، وَتُوضَعَ الشَّمْسُ فِي يَمِينِهِ وَالْقَمَرُ فِي يَسَارِه، بِشَرْطِ أَنْ يَتَنَازَلَ قَلِيلًا، أَنْ يُدَاهِنَ قَلِيلًا.. فَمَاذَا قَالَ؟
هَلْ قَالَ: "أَقْبَلُ الْمُلْكَ لِأَخْدِمَ النَّاسَ وَأَحْمِيَ الْمُسْتَضْعَفِين"؟
كَلَّا! قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي، عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ دُونَهُ، مَا تَرَكْتُه» [سيرة ابن هشام: 1/265].
رَفَضَ السُّلْطَةَ إِذَا كَانَتْ مَشْرُوطَةً بِالتَّنَازُلِ عَنِ الْمَبْدَأ. وَنَحْنُ الْيَوْمَ نُهَرْوِلُ خَلْفَ فُتَاتِ سُلْطَة، بَلْ خَلْفَ "خَادِمَةِ سُلْطَة" (الْبَلَدِيَّة)، وَنَقْبَلُ بِشُرُوطِ قَوَانِينِهِمُ الْوَضْعِيَّة!
تَأَمَّلُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ فِي قِصَّةِ الْفِتْيَةِ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَبِّهِم، أَصْحَابِ الْكَهْف.
هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ كَانُوا يَعِيشُونَ فِي دَوْلَةٍ مُشْرِكَة، نِظَامُهَا وَقَانُونُهَا كُفْرِيّ. هَلْ قَالُوا: "نَدْخُلُ فِي مَجْلِسِ الْمَدِينَةِ لِنُصْلِحَ مِنَ الدَّاخِل"؟ هَلْ قَالُوا: "نُشَارِكُ فِي إِدَارَةِ شُؤُونِ الْمَدِينَةِ لِنَخْدِمَ قَوْمَنَا"؟
لَا.. بَلْ قَالُوا: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا﴾ [سورة الكهف: 16].
اخْتَارُوا "الِاعْتِزَال" لِلْحِفَاظِ عَلَى التَّوْحِيد. اخْتَارُوا خُشُونَةَ الْكَهْفِ مَعَ الْإِيمَان، عَلَى نَعِيمِ الْقُصُورِ مَعَ الشِّرْكِ وَالْمُدَاهَنَة.
وَنَحْنُ لَا نَطْلُبُ مِنْكُمْ سُكْنَى الْكُهُوف، وَلَكِنْ نَطْلُبُ مِنْكُمُ اعْتِزَالَ "صَنَادِيقِ الزُّور"، وَاعْتِزَالَ مَجَالِسِ اللَّغْوِ الَّتِي يُسْتَهْزَأُ فِيهَا بِآيَاتِ اللَّهِ عَبْرَ تَقْدِيمِ حُكْمِ الْبَشَرِ عَلَيْهَا.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُم﴾ [سورة النساء: 140].
"إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُم".. آيَةٌ تَقْشَعِرُّ لَهَا الْأَبْدَان. مَنْ جَالَسَهُم، وَشَارَكَهُم، وَرَضِيَ بِقَوَاعِدِهِم، فَهُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْوِزْرِ وَالْإِثْم.
يَا أَهْلَنَا فِي فِلَسْطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَان..
الِانْتِخَابَاتُ الْبَلَدِيَّةُ الْقَادِمَةُ هِيَ امْتِحَانٌ لِصِدْقِ انْتِمَائِكُمْ لِهَذَا الدِّين، وَلِفَهْمِكُمْ لِحَقِيقَةِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه".
فـ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه" تَعْنِي: لَا حَاكِمَ إِلَّا اللَّه، لَا مُشَرِّعَ إِلَّا اللَّه، لَا مُطَاعَ لِذَاتِهِ إِلَّا اللَّه.
فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الصُّنْدُوقِ لِيَخْتَارَ مَنْ يَحْكُمُ بِقَانُونِ الْبَشَر، فَقَدْ أَحْدَثَ ثُلْمَةً فِي تَوْحِيدِه.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْب، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَة
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعَزَّنَا بِالْإِسْلَام، وَأَكْرَمَنَا بِالْإِيمَان، وَشَرَّفَنَا بِالْقُرْآن، وَجَعَلَنَا مِنْ أُمَّةِ خَيْرِ الْأَنَام.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ فِي كِتَابِهِ الْمُبِين: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُون﴾ [سورة المائدة: 44]، وَالْقَائِل: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [سورة المائدة: 45]، وَالْقَائِل: ﴿فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [سورة المائدة: 47]. أَحْكَامٌ ثَلَاثَةٌ نَزَلَتْ فِيمَنْ تَنَكَّبَ الطَّرِيق، وَاسْتَبْدَلَ شَرْعَ اللَّهِ بِقَوَانِينِ الْبَشَر، سَوَاءً فِي قِمَّةِ الْهَرَمِ أَوْ فِي قَاعِدَتِه.
وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الضَّحُوكِ الْقَتَّال، الْمَبْعُوثِ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَجُعِلَ رِزْقُهُ تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِه، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرَه.
أَمَّا بَعْد..
أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ الصَّادِقُون:
قَدْ يَأْتِيكَ مَنْ يُوَسْوِسُ لَكَ فِي ثَوْبِ نَاصِح، فَيَقُول: "يَا أَخِي، إِذَا قَاطَعْنَا الِانْتِخَابَاتِ الْبَلَدِيَّة، سَيَخْلُو الْجَوُّ لِلْفَاسِدِين، وَسَيُسَيْطِرُ الْعِلْمَانِيُّونَ وَاللُّصُوصُ عَلَى بَلَدِيَّاتِنَا، وَسَيَسْرِقُونَ الْأَمْوَال، وَيُفْسِدُونَ الْبِلَاد، فَمُشَارَكَتُنَا هِيَ لِتَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ وَاخْتِيَارِ الرَّجُلِ الْقَوِيِّ الْأَمِين".
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ مَرْدُودَةٌ مِنْ وُجُوهٍ عِدَّةٍ يَعْرِفُهَا مَنْ نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَه:
أَوَّلًا: نَحْنُ لَا نَدْفَعُ مَفْسَدَةَ "السَّرِقَةِ وَسُوءِ الْإِدَارَة" بِمَفْسَدَةِ "الشِّرْكِ وَالِاعْتِرَافِ بِالتَّشْرِيعِ الْوَضْعِيّ". حِفْظُ الدِّينِ مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ الْمَال. لَوْ ضَاعَ مَالُ الْبَلَدِيَّةِ كُلُّه، وَسُرِقَتِ الْمِيزَانِيَّة، لَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُقِرَّ النَّاسُ مَبْدَأَ "سِيَادَةِ الشَّعْب" بَدَلًا مِنْ سِيَادَةِ الشَّرْع.
ثَانِيًا: التَّجْرِبَةُ وَالْوَاقِعُ فِي فِلَسْطِينَ يَشْهَدَانِ عَلَى فَشَلِ مَا يَزْعُمُون. فَكَمْ مَرَّةً شَارَكَ هَؤُلَاءِ فِي الْبَلَدِيَّات؟ وَمَاذَا كَانَتِ النَّتِيجَة؟ هَلْ أَقَامُوا الدِّين؟ هَلْ مَنَعُوا الْفَسَاد؟
أَمْ أَنَّ النِّظَامَ الْعَامَ كَبَّلَهُم، وَحَاصَرَهُم، وَجَعَلَهُمْ شَمَّاعَةً يُعَلِّقُ عَلَيْهَا فَشَلَه؟
بَلْ رَأَيْنَا مَنْ دَخَلَ بِنِيَّةِ الْإِصْلَاح، تَلَطَّخَ بِوَحْلِ التَّنَازُلَات، وَاضْطُرَّ لِمُصَافَحَةِ أَعْدَاءِ اللَّه، وَحُضُورِ احْتِفَالَاتِهِم، وَالسُّكُوتِ عَنْ مُنْكَرَاتِهِمْ بِحُجَّةِ "الْبُرُوتُوكُول" وَ"الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّة". فَخَسِرَ دِينَهُ وَلَمْ يُصْلِحْ دُنْيَا النَّاس.
ثَالِثًا: إِنَّ مُقَاطَعَةَ أَهْلِ الْحَقِّ لِهَذِهِ الِانْتِخَابَاتِ هِيَ "تَعْرِيَة" لِلنِّظَام، وَنَزْعٌ لِلشَّرْعِيَّةِ عَنْه. أَمَّا مُشَارَكَتُكُمْ فَهِيَ الَّتِي تُعْطِيهِ "الْحَيَاة". النِّظَامُ يَحْتَاجُكُمْ لِيُكْمِلَ الدِّيكُورَ الدِّيمُقْرَاطِيَّ أَمَامَ الدُّوَلِ الْمَانِحَة. فَلَا تَكُونُوا جِسْرًا يَعْبُرُونَ عَلَيْه.
أَيُّهَا النَّاس، يَا أَهْلَ فِلَسْطِين..
أَنَسِيتُمْ أَنَّكُمْ تَحْتَ احْتِلَال؟ أَيُّ انْتِخَابَاتٍ هَذِهِ الَّتِي تَجْرِي تَحْتَ حِرَابِ الْمُحْتَلّ؟
إِنَّ الْعَدُوَّ الصَّهْيُونِيَّ يُرَاقِب، وَيَسْمَح، وَيَمْنَع. هُوَ الَّذِي يُعْطِي "الْمُوَافَقَاتِ الْأَمْنِيَّة" بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَوْ غَيْرِ مُبَاشِر.
هَلْ تَظُنُّونَ أَنَّ الِاحْتِلَالَ سَيَسْمَحُ بِقِيَامِ بَلَدِيَّاتٍ تَكُونُ قِلَاعًا لِلْمُجاهدين؟
كَلَّا! هُمْ يُرِيدُونَ بَلَدِيَّاتٍ تَكُونُ "أَقْسَامَ شُرْطَةٍ مَدَنِيَّة"، تَضْبِطُ النَّاس، وَتُلْهِيهِمْ بِالْخِدْمَات، وَتُنَسِّقُ مَعَ الْحَاكِمِ الْعَسْكَرِيّ.
الْبَلَدِيَّةُ فِي ظِلِّ أُوسْلُو وَمَا تَلَاهَا، هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْهَيْكَلِ الْإِدَارِيِّ الَّذِي يَخْدُمُ بَقَاءَ الْوَضْعِ الرَّاهِن.
فَالذَّهَابُ لِلصَّنَادِيقِ هُوَ إِقْرَارٌ بِهَذَا الْوَاقِعِ الْبَائِس، وَرِضًا بِسَقْفِ "الْحُكْمِ الذَّاتِيّ" الْهَزِيلِ الَّذِي سَقْفُهُ حِذَاءُ الْجُنْدِيِّ الْمُحْتَلّ.
الْوَاجِبُ الشَّرْعِيُّ فِي الْبِلَادِ الْمُحْتَلَّةِ هُوَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِه، وَلَيْسَ الِانْخِرَاطَ فِي مُؤَسَّسَاتٍ صُمِّمَتْ لِتَدْجِينِ الشَّعْب.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون،
لَقَدْ أَفْتَى كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الِانْتِخَابَاتِ الْبَلَدِيَّة، الَّتِي تَجْرِي وَفْقَ الْقَانُونِ الْوَضْعِيّ، وَبِآلِيَّةِ الِاقْتِرَاعِ الدِّيمُقْرَاطِيّ، وَتَحْتَ مِظَلَّةِ الْحُكْمِ الْعِلْمَانِيّ، هِيَ عَمَلٌ لَا يَجُوزُ شَرْعًا الْمُشَارَكَةُ فِيه، لَا تَرَشُّحًا وَلَا انْتِخَابًا وَلَا تَرْوِيجًا.
وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنِ الرُّكُونِ لِلظَّالِمِين: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّار﴾ [سورة هود: 113].
وَالْوَرَقَةُ الَّتِي تَضَعُهَا فِي الصُّنْدُوقِ هِيَ "شَهَادَةُ زُور"، لِأَنَّكَ تَشْهَدُ لِهَذَا النِّظَامِ بِالشَّرْعِيَّة، وَتَشْهَدُ لِلْمُرَشَّحِ بِالْأَهْلِيَّةِ وَفْقَ مَعَايِيرَ بَاطِلَة. وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَن.
فَاحْذَرُوا، يَا عِبَادَ اللَّه، أَنْ تَبِيعُوا دِينَكُمْ بِدُنْيَا غَيْرِكُم.
احْذَرُوا أَنْ تَكُونُوا وَقُودًا لِمَعْرَكَةٍ خَاسِرَة، الرَّابِحُ فِيهَا خَاسِر، لِأَنَّهَا مَعْرَكَةٌ فِي غَيْرِ مَيْدَانِ الْعِزّ.
يَا شَبَابَ الْإِسْلَام، الْزَمُوا غَرْزَ التَّوْحِيد.
وَإِنْ سَأَلُوكُم: "مَا الْبَدِيل؟ هَلْ نَتْرُكُ الْبَلَدَ خَرَابًا؟"
فَقُولُوا لَهُم: "الْبَدِيلُ هُوَ الْعَوْدَةُ إِلَى اللَّهِ عَوْدَةً صَادِقَة، وَالْعَمَلُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ وَالْقَلْب، وَالسَّعْيُ لِإِقَامَةِ حُكْمِ اللَّهِ كَامِلًا غَيْرَ مَنْقُوص، لَا تَرْقِيعَ الْوَاقِعِ الْفَاسِد".
الْبَدِيلُ هُوَ التَّكَافُلُ الِاجْتِمَاعِيُّ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بَعِيدًا عَنْ أُطُرِ النِّظَامِ الْوَضْعِيّ.
الْبَدِيلُ هُوَ الصَّبْرُ وَالثَّبَاتُ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا. وَلَنَا فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَة، فَقَدْ سَاوَمُوهُ عَلَى دِينِهِ فَأَبَى، وَأَغْرَوْهُ بِالْمُلْكِ فَزَهِدَ وَمَضَى. فَاقْتَدُوا بِثَبَاتِهِ تَرْشُدُوا، وَأَكْثِرُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ تُفْلِحُوا.
أَلَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى إِمَامِ الْمُتَّقِين، وَقَائِدِ الْمُجَاهِدِين، مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه، الَّذِي لَمْ يُدَاهِنْ فِي دِينِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْن.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيم، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيد.
اللَّهُمَّ يَا حَيُّ يَا قَيُّوم، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَه، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَه، وَلَا تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلّ.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ قَانُونٍ خَالَفَ شَرْعَك، وَنَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ كُلِّ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ سَوَّتْ بَيْنَ أَوْلِيَائِكَ وَأَعْدَائِك.
اللَّهُمَّ طَهِّرْ أَرْضَ فِلَسْطِينَ مِنْ رِجْسِ الْيَهُودِ وَمِنْ دَنَسِ الْمُنَافِقِين.
اللَّهُمَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْتِنَ النَّاسَ فِي دِينِهِم، وَيُزَيِّنَ لَهُمْ سُبُلَ الرَّدَى، فَافْضَحْه، وَاكْشِفْ سِتْرَه، وَاجْعَلْ كَيْدَهُ فِي نَحْرِه.
اللَّهُمَّ ثَبِّتْنَا وَأَهْلَنَا فِي فِلَسْطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَان، اللَّهُمَّ ارْبِطْ عَلَى قُلُوبِنَا، وَبَصِّرْنَا بِمَكَائِدِ الْأَعْدَاء.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا سُلَّمًا لِلْمُنَافِقِين، وَلَا جِسْرًا لِلظَّالِمِين.
اللَّهُمَّ وَلِّ عَلَيْنَا خِيَارَنَا، وَلَا تُوَلِّ عَلَيْنَا شِرَارَنَا، وَاكْفِنَا شَرَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ وَشَرَّ أَهْلِهَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيْنَا تَوْحِيدَنَا، وَاحْفَظْ عَلَيْنَا عَقِيدَتَنَا، وَتَوَفَّنَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِين.
اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ وَنَحْنُ نَعْلَم، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَم.
اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْيَهُودِ الْغَاصِبِين، وَمَنْ وَالَاهُم، وَمَنْ سَارَ فِي رِكَابِهِم. اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا، وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا، وَلَا تُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّاب﴾ [سورة آل عمران: 8].
عِبَادَ اللَّه،
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُم، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون.
المصدر: مدونة الشيخ زهير بن حسن حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/02/blog-post_6.html
https://www.youtube.com/watch?v=Iw_tRa1E2nM
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق