أَتَاكُمْ رَمَضَان
خطبة الجمعة
للشيخ :
زهير بن حسن حميدات
الْخُطْبَةُ الْأُولَى:
إِنَّ
الْحَمْدَ لِلَّه، نَحْمَدُهُ حَمْدَ مَنْ غَمَرَتْهُ النِّعَم، وَبَلَغَ أَعْظَمَ
الْمَوَاسِم، وَأَدْرَكَ أَشْرَفَ الشُّهُور. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ مَدَّ
فِي آجَالِنَا حَتَّى بَلَّغَنَا ظِلَالَ شَهْرٍ كَرِيم، فِيهِ تُفْتَحُ
الْجِنَان، وَتُغَلَّقُ النِّيرَان، وَتَتَنَزَّلُ الرَّحَمَات، وَتُجَابُ
الدَّعَوَات. نَحْمَدُهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا
يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِه.
وَنَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا الَّتِي
قَدْ تَحْرِمُنَا بَرَكَةَ هَذَا الشَّهْرِ بِالْغَفْلَةِ وَالْإِعْرَاض،
وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا الَّتِي قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي
رَدِّ الصِّيَامِ وَالْقِيَام. مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ لِاغْتِنَامِ الْأَوْقَاتِ
فَهُوَ السَّعِيدُ الْفَائِز، وَمَنْ يُضْلِلْ فَيَمُرُّ عَلَيْهِ رَمَضَانُ
كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ فَهُوَ الْمَحْرُومُ الْخَاسِر؛ وَلَنْ تَجِدَ لَهُ
مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَه، الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِين، الَّذِي خَصَّ رَمَضَانَ بِإِنْزَالِ
الْقُرْآن، وَجَعَلَهُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَان،
وَفَرَضَ عَلَيْنَا صِيَامَهُ لِنُحَقِّقَ التَّقْوَى وَنَفُوزَ بِالرِّضْوَان.
شَهَادَةً نُعِدُّهَا ذُخْرًا لِيَوْمِ الظَّمَأِ الْأَكْبَر، يَوْمَ يُنَادَى
الصَّائِمُونَ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ مِنْ بَابِ الرَّيَّان.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، الْبَشِيرُ
النَّذِير، وَالسِّرَاجُ الْمُنِير، الَّذِي كَانَ يَتَلَقَّى رَمَضَانَ
بِالْبِشْرِ وَالسُّرُور، وَيُهَنِّئُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِهِ قَائِلًا:
«أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ
أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رَمَضَان، ثُمَّ يَدْعُونَهُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ أَنْ
يَتَقَبَّلَهُ مِنْهُم؛ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ، فَيَا عِبَادَ اللَّه، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِيَ الْمُقَصِّرَةَ
بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلّ. فَإِنَّ التَّقْوَى هِيَ الْمَقْصُودُ
الْأَعْظَمُ مِنَ الصِّيَام، وَهِيَ الْغَايَةُ الْأَسْمَى مِنَ الْقِيَام؛ ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 183].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون:
إِنَّ الْأَرْضَ الْيَوْمَ تَتَزَيَّن، وَالسَّمَاءَ تَتَهَيَّأ،
وَالْأَرْوَاحَ تَشْرَئِبّ؛ لِاسْتِقْبَالِ ضَيْفٍ عَزِيزٍ غَابَ عَنَّا عَامًا
كَامِلًا. إِنَّهُ لَيْسَ ضَيْفًا عَادِيًّا، وَلَا زَائِرًا عَابِرًا، بَلْ
إِنَّهُ {سَيِّدُ الشُّهُور}. انْظُرُوا إِلَى هَذِهِ الْبُشْرَى النَّبَوِيَّةِ
الْخَالِدَةِ الَّتِي يَنْقُلُهَا لَنَا الْحَدِيثُ الشَّرِيف: «أَتَاكُمْ
رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ].
اللَّهُ أَكْبَر! "أَتَاكُم"!
تَخَيَّلُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
يَقِفُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا الْآنَ وَيَزُفُّ إِلَيْنَا هَذَا الْخَبَرَ الْعَاجِل.
"أَتَاكُم": جَاءَكُمْ بِنَفْسِه، جَاءَكُمْ يَحْمِلُ الْهَدَايَا،
جَاءَكُمْ يَحْمِلُ الْعَفْو، جَاءَكُمْ يَحْمِلُ الْعِتْقَ مِنَ النَّار. لَمْ
يَقُلْ: "جَاءَ رَمَضَان"، بَلْ قَالَ: «أَتَاكُم»؛ وَكَأَنَّ الشَّهْرَ
كَائِنٌ حَيٌّ يَسْعَى إِلَيْكُمْ شَوْقًا لِيُنْقِذَكُمْ مِنْ أَوْحَالِ
الدُّنْيَا.
إِنَّ دُخُولَ رَمَضَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَغَيُّرٍ فِي
الرُّزْنَامَة، وَلَا هُوَ مُجَرَّدُ تَقَلُّبٍ فِي أَوْرَاقِ التَّقْوِيم، بَلْ
إِنَّهُ "حَدَثٌ كَوْنِيٌّ" يَهْتَزُّ لَهُ الْوُجُود. أَلَمْ يَقُلِ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ
فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ
الشَّيَاطِينُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]؟!
يَا لَلْعَظَمَة!
الْكَوْنُ كُلُّهُ يَتَغَيَّرُ نِظَامُهُ لِأَجْلِكُمْ يَا أُمَّةَ
مُحَمَّد! الْجَنَّةُ تُفَتَّحُ أَبْوَابُهَا الثَّمَانِيَةُ اسْتِقْبَالًا
لِأَعْمَالِكُم، وَالنَّارُ تُغَلَّقُ أَبْوَابُهَا السَّبْعَةُ رَحْمَةً بِكُم،
وَالشَّيَاطِينُ -أَلَدُّ أَعْدَائِكُم- يُقَيَّدُونَ بِالسَّلَاسِلِ حَتَّى لَا
يُفْسِدُوا عَلَيْكُمْ صِيَامَكُم. فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْإِكْرَامِ إِكْرَام؟!
وَهَلْ بَعْدَ هَذَا التَّشْرِيفِ تَشْرِيف؟!
ثُمَّ تَأَمَّلُوا الْوَصْفَ النَّبَوِيَّ الدَّقِيقَ فِي
الْحَدِيث: «شَهْرٌ مُبَارَكٌ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ]. "مُبَارَك":
أَيْ كَثِيرُ الْخَيْر، دَائِمُ النَّفْع، مُتَزَايِدُ الْعَطَاء. الْبَرَكَةُ فِي
رَمَضَانَ لَيْسَتْ كَلِمَةً عَابِرَة، بَلْ هِيَ وَاقِعٌ نَعِيشُهُ فِي كُلِّ
لَحْظَة:
·
بَرَكَةٌ
فِي الْوَقْت: فَالْيَوْمُ فِي رَمَضَانَ يَتَّسِعُ
لِمَا لَا يَتَّسِعُ لَهُ غَيْرُه؛ نَقْرَأُ فِيهِ أَجْزَاءً مِنَ الْقُرْآن،
وَنُصَلِّي التَّرَاوِيح، وَنَصِلُ الْأَرْحَام، وَنَعْمَلُ أَعْمَالَنَا الدُّنْيَوِيَّة،
وَفِي الْوَقْتِ بَقِيَّة!
·
بَرَكَةٌ
فِي الْجَسَد: رَغْمَ الْجُوعِ وَالْعَطَش، تَجِدُ
الْمُؤْمِنَ أَقْوَى نَشَاطًا، وَأَصْفَى ذِهْنًا، وَأَخَفَّ رُوحًا.
·
بَرَكَةٌ
فِي الرِّزْق: فَهُوَ شَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ
الْمُؤْمِن؛ لَا يَبْقَى جَائِعٌ فِي رَمَضَان، فَالْمَوَائِدُ مَمْدُودَة،
وَالْأَيْدِي مَبْسُوطَةٌ بِالْعَطَاء.
·
بَرَكَةٌ
فِي الْأُجُور: الْحَسَنَةُ فِي
رَمَضَانَ لَيْسَتْ كَالْحَسَنَةِ فِي غَيْرِه؛ الْفَرِيضَةُ فِيهِ بِسَبْعِينَ
فَرِيضَة، وَالنَّافِلَةُ فِيهِ بِأَجْرِ فَرِيضَة. وَفِيهِ لَيْلَةٌ وَاحِدَةٌ
خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر!
يَا سُبْحَانَ اللَّه!
عُمْرٌ كَامِلٌ (ثَلَاثَةٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً) تَكْسَبُهُ فِي
لَيْلَةٍ وَاحِدَة! أَيُّ تِجَارَةٍ رَابِحَةٍ هَذِه؟! وَأَيُّ سُوقٍ
لِلْأَرْبَاحِ هَذَا الَّذِي فُتِحَ لَكُم؟! لِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ
يَعْتَبِرُونَ رَمَضَانَ فُرْصَةَ الْعُمْرِ الَّتِي لَا تُعَوَّض. كَانُوا
يَقُولُونَ: {مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي رَمَضَانَ فَمَتَى يُغْفَرُ لَه؟!}.
إِنَّهُ مَوْسِمُ "جَمْعِ الْحَسَنَات" وَ"تَكْفِيرِ
السَّيِّئَات"، إِنَّهُ النَّهْرُ الَّذِي نَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ أَدْرَانِ
عَامٍ كَامِل.
يَا عِبَادَ اللَّه:
إِذَا جَاءَكُمْ ضَيْفٌ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا، كَيْفَ
تَسْتَقْبِلُونَه؟! أَلَا تُنَظِّفُونَ لَهُ الْبُيُوت؟! أَلَا تَلْبِسُونَ لَهُ
أَحْسَنَ الثِّيَاب؟! أَلَا تُعِدُّونَ لَهُ أَطْيَبَ الطَّعَام؟! فَكَيْفَ
بِضَيْفِ رَبِّ الْعَالَمِين؟! كَيْفَ بِمَنْ جَاءَ وَمَعَهُ "الْعِتْقُ مِنَ
النَّار"؟! هَلْ نَسْتَقْبِلُهُ بِبُيُوتٍ مَلِيئَةٍ بِالْمُنْكَرَات؟! هَلْ
نَسْتَقْبِلُهُ بِقُلُوبٍ مَشْحُونَةٍ بِالْبَغْضَاء؟! هَلْ نَسْتَقْبِلُهُ
بِالْكَسَلِ وَالنَّوْمِ وَتَضْيِيعِ الْأَوْقَاتِ أَمَامَ الشَّاشَات؟! لَا
وَاللَّه! مَا هَكَذَا يُكْرَمُ الضَّيْفُ الْعَزِيز.
إِنَّ حُسْنَ الِاسْتِقْبَالِ يَكُونُ بِأُمُورٍ ثَلَاثَة:
1.
الْفَرَحُ
وَالِاسْتِبْشَار: يَجِبُ أَنْ يَمْتَلِئَ
قَلْبُكَ فَرَحًا بِقُدُومِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ
وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سُورَةُ يُونُسَ: 58]. وَأَيُّ فَضْلٍ أَعْظَمُ مِنْ رَمَضَان؟! لَا تَكُنْ
مِمَّنْ يَسْتَقْبِلُهُ بِالثِّقَلِ وَالْهَمّ، وَيَقُولُ: "جَاءَنَا شَهْرُ
الْجُوعِ وَالْعَطَش"! بَلْ قُلْ: "جَاءَنَا شَهْرُ الرُّوحِ
وَالرَّيْحَان".
2.
التَّوْبَةُ
الصَّادِقَة: نَظِّفْ "وِعَاءَ قَلْبِك"
قَبْلَ أَنْ تَضَعَ فِيهِ "عَسَلَ الْقُرْآن". لَا يَجْتَمِعُ نُورُ
الْقُرْآنِ مَعَ ظُلْمَةِ الْمَعَاصِي فِي قَلْبٍ وَاحِد. تُبْ إِلَى اللَّهِ
الْآن، وَقُلْ: "يَا رَبِّ إِنِّي نَوَيْتُ صَفْحَةً جَدِيدَة". رُدَّ
الْمَظَالِم، وَصَالِحِ الْخُصُوم، وَطَهِّرْ قَلْبَكَ مِنَ الْغِلّ.
3.
الْعَزْمُ
وَالتَّخْطِيط: لَا تَدْخُلْ رَمَضَانَ
بِلَا خُطَّة. كَمْ خَتْمَةً تُرِيدُ أَنْ تَقْرَأ؟! كَمْ لَيْلَةً تُرِيدُ أَنْ
تَقُوم؟! كَمْ صَدَقَةً تُرِيدُ أَنْ تُخْرِج؟! الْمُؤْمِنُ الْكَيِّسُ هُوَ
الَّذِي يُخَطِّطُ لِآخِرَتِهِ كَمَا يُخَطِّطُ التَّاجِرُ لِصَفْقَتِه.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ الْقَائِمُون:
إِنَّ رَمَضَانَ الَّذِي "أَتَاكُم" كَمَا بَشَّرَكُمُ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، لَمْ يَأْتِ لِيُجَوِّعَ
بُطُونَكُم، وَلَا لِيُعَطِّشَ أَكْبَادَكُم؛ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ
جُوعِنَا وَعَطَشِنَا، وَلَكِنَّهُ أَتَى لِيُهَذِّبَ النُّفُوسَ، وَيَكْبَحَ
جِمَاحَ الشَّهَوَات. يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ
لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ
يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
إِذَنْ، الصِّيَامُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ "صِيَامُ
الْجَوَارِح":
·
صِيَامُ
الْعَيْنِ: عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْحَرَام؛
كَيْفَ تَصُومُ عَنِ الطَّعَامِ الْحَلَالِ ثُمَّ تُفْطِرُ عَلَى النَّظَرِ الْحَرَامِ
إِلَى الْمُسَلْسَلَاتِ وَالْعَارِيَات؟!
·
صِيَامُ
اللِّسَانِ: عَنِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ
وَالْكَذِب. إِنَّ الْغِيبَةَ تُخَرِّقُ الصِّيَام، وَالِاسْتِغْفَارَ يَرْقَعُه.
·
صِيَامُ
الْأُذُنِ: عَنْ سَمَاعِ اللَّغْوِ وَالْغِنَاءِ
وَالْفُحْش.
اجْعَلُوا شِعَارَكُمْ فِي نَهَارِ رَمَضَان: «إِنِّي صَائِمٌ،
إِنِّي صَائِمٌ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. إِذَا سَابَّكَ أَحَدٌ، أَوْ جَهِلَ
عَلَيْك، فَلَا تَرُدَّ الصَّاعَ صَاعَيْن، بَلْ قُلْ لَهُ بِلِسَانِ الْحَالِ
وَالْمَقَال: "أَنَا فِي عِبَادَة، أَنَا فِي حَرَمِ رَمَضَان، وَلَنْ
أُفْسِدَ صَوْمِي بِالْجِدَال". هَذَا هُوَ الصِّيَامُ الَّذِي يُورِثُ
التَّقْوَى، وَيَجْعَلُكَ مَلَكًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْض.
ثُمَّ يَأْتِي اللَّيْل.. آهٍ مِنْ لَيَالِي رَمَضَان! مَا
أَجْمَلَهَا! وَمَا أَبْهَاهَا! إِنَّهَا "سُوقُ الْقِيَام". يَقُولُ
الْحَبِيبُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا
وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
هَلِ اسْتَشْعَرْتُمْ هَذَا الْعَرْضَ الْمُغْرِي؟! قِيَامُ شَهْرٍ وَاحِدٍ يُسَاوِي
مَغْفِرَةَ ذُنُوبِ الْعُمُرِ كُلِّه!
أَيْنَ الْمُشَمِّرُون؟! لَا تَزْهَدُوا فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيح،
وَلَا تَنْقُرُوهَا نَقْرًا، وَلَا تَبْحَثُوا عَنِ الْمَسَاجِدِ الْأَسْرَعِ
سَلْقًا لِلصَّلَاة! بَلِ ابْحَثُوا عَنِ الْمَسَاجِدِ الَّتِي تُحْيِي الْقُلُوبَ
بِالْقُرْآن. قِفْ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّكَ فِي الظَّلَام، وَالنَّاسُ نِيَام،
وَنَادِهِ نِدَاءَ الْمُسْتَغِيث: "يَا رَبّ، عَبْدُكَ الْعَاصِي أَتَاك،
مُقِرًّا بِالذُّنُوبِ وَقَدْ دَعَاك". إِنَّ رَكْعَةً فِي جَوْفِ اللَّيْلِ
فِي رَمَضَان، خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا.
وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ يُحْيِي اللَّيْلَ
بِالسَّهَرِ عَلَى الْمَقَاهِي، أَوْ فِي الْأَسْوَاق، أَوْ أَمَامَ الشَّاشَات.
إِنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ حَوَّلَ "مَوْسِمَ الرَّحْمَة" إِلَى
"مَوْسِمِ غَفْلَة"، وَاسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ
خَيْر.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون:
إِنَّ رَمَضَانَ لَهُ اسْمٌ آخَر.. إِنَّهُ "شَهْرُ
الْقُرْآن"؛ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [سُورَةُ
الْبَقَرَةِ: 185]. كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَلْقَى النَّبِيَّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ
الْقُرْآن. كَانَ السَّلَفُ إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ، تَرَكُوا قِرَاءَةَ
الْحَدِيثِ وَمَجَالِسَ الْعِلْم، وَأَقْبَلُوا عَلَى الْمُصْحَفِ، وَقَالُوا:
{إِنَّمَا هُوَ إِطْعَامُ الطَّعَامِ وَتِلَاوَةُ الْقُرْآن}.
كَمْ خَتْمَةً نَوَيْتَ هَذَا الْعَام؟! لَا تَقُلْ: "أَنَا
مَشْغُول"؛ فَوَاللَّهِ لَا شُغْلَ أَهَمُّ مِنْ كَلَامِ اللَّه. إِنَّ
الْقُرْآنَ فِي رَمَضَانَ لَهُ طَعْمٌ آخَر؛ اقْرَأْهُ بِتَدَبُّر، قِفْ عِنْدَ
آيَاتِ الرَّحْمَةِ وَسَلِ اللَّهَ مِنْ فَضْلِه، وَقِفْ عِنْدَ آيَاتِ الْعَذَابِ
وَاسْتَعِذْ بِاللَّه. اجْعَلْ لِنَفْسِكَ وِرْدًا لَا تَتَنَازَلُ عَنْهُ
أَبَدًا؛ جُزْءٌ فِي الْيَوْم؟ جُزْآن؟ ثَلَاثَة؟ لَا تَرْضَ بِالدُّون،
فَالْمُتَاجِرُ مَعَ اللَّهِ رَابِح. إِنَّ الْبُيُوتَ الَّتِي يُقْرَأُ فِيهَا
الْقُرْآنُ فِي رَمَضَانَ تَتَلأْلأُ لِأَهْلِ السَّمَاءِ كَمَا تَتَلأْلأُ
النُّجُومُ لِأَهْلِ الْأَرْض. فَنَوِّرُوا بُيُوتَكُم، وَعَطِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ
بِكَلَامِ رَبِّكُم.
وَمِنْ وَظَائِفِ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَك: "الْجُودُ
وَالْإِنْفَاق". كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَجْوَدَ النَّاس، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَان؛ كَانَ «كَالرِّيحِ
الْمُرْسَلَةِ» بِالْخَيْرِ [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. الرِّيحُ الْمُرْسَلَةُ لَا
تَتْرُكُ مَكَانًا إِلَّا دَخَلَتْه، وَلَا شَجَرًا إِلَّا حَرَّكَتْه. كُنْ
كَالرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ فِي تَفَقُّدِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِين. «مَنْ
فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ
أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
تَخَيَّلْ لَوْ فَطَّرْتَ ثَلَاثِينَ صَائِمًا؟! كَأَنَّكَ صُمْتَ
رَمَضَانَ مَرَّتَيْن! وَلَوْ فَطَّرْتَ أَكْثَرَ، تَضَاعَفَ الْأَجْر.
تَفَقَّدُوا جِيرَانَكُم، وَتَفَقَّدُوا أَرْحَامَكُم. إِنَّ هُنَاكَ بُيُوتًا
مُغْلَقَةً عَلَى الْفَقْرِ وَالْحَيَاء، لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا؛
هَؤُلَاءِ هُمُ الْأَوْلَى بِصَدَقَاتِكُم. لَا تَجْعَلْ مَائِدَتَكَ عَامِرَةً
بِكُلِّ مَا لَذَّ وَطَاب، وَمَائِدَةُ جَارِكَ خَاوِيَة. إِنَّ رَمَضَانَ شَهْرُ
"الْمُوَاسَاة"، شَهْرٌ يَشْعُرُ فِيهِ الْغَنِيُّ بِأَلَمِ الْفَقِير،
فَيَرِقُّ قَلْبُهُ وَتَنْبَسِطُ يَدُه.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون:
هَذِهِ هِيَ وَظَائِفُ رَمَضَان: صِيَامٌ عَنِ الْمُحَرَّمَات،
وَقِيَامٌ فِي الظُّلُمَات، وَقِرَاءَةٌ لِلْآيَات، وَصَدَقَاتٌ وَقُرُبَات.
فَمَنْ شَمَّرَ عَنْ سَاعِدِ الْجِدِّ وَأَخَذَ بِهَا، فَقَدْ فَازَ وَرَبِّ
الْكَعْبَة. وَمَنْ تَكَاسَلَ وَتَوَلَّى، فَإِنَّمَا يَجْنِي عَلَى نَفْسِه.
وَاغْتَنِمُوا الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ إِذَا جَاءَت، فَفِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ
الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر. اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ
وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِك.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي
وَلَكُم، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين، مُعِيدِ الْمَوَاسِمِ وَالْأَعْيَاد، وَمُحْيِي
الْقُلُوبِ بِالْهُدَى وَالرَّشَاد. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ رَمَضَانَ
مِضْمَارًا لِخَلْقِه، يَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَرْضَاتِه،
فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا. نَحْمَدُهُ
سُبْحَانَهُ أَنْ أَمْهَلَنَا حَتَّى أَدْرَكْنَا هَذَا الشَّهْر، فَلَكَمْ مِنْ
مُؤَمِّلٍ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَكَمْ مِنْ مَرِيضٍ أَعْجَزَهُ الْمَرَضُ عَنْ
صِيَامِه.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ
لَه، الْغَفُورُ الْوَدُود، ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيد، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد،
الَّذِي يُنَادِي فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَان: {هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ
عَلَيْه؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَه؟}. شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا
الْعِتْقَ مِنَ النِّيرَان، وَالْفَوْزَ بِأَعَالِي الْجِنَان.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، أَنْصَحُ
الْخَلْقِ لِلْخَلْق، الَّذِي صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: «آمِين، آمِين، آمِين»،
فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: رَغِمَ أَنْفُ
امْرِئٍ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، قُلْ: آمِين. فَقُلْتُ: آمِينُ»
[رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي الْخَيْرَات،
وَيُسَارِعُونَ فِي الطَّاعَات؛ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ
الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ يَا عِبَادَ اللَّه:
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ تَسْتَقْبِلُونَ شَهْرَكُم،
وَاعْلَمُوا أَنَّهَا أَيَّامٌ مَعْدُودَات، سُرْعَانَ مَا تَنْقَضِي؛
فَاغْتَنِمُوا كُلَّ لَحْظَةٍ فِيهَا قَبْلَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى
عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه؛ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا
أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سُورَةُ النُّورِ: 31].
يَا أَيُّهَا الْمُسَوِّفُون.. يَا مَنْ ضَيَّعْتُمْ رَمَضَانَ
الْعَامَ الْمَاضِي فِي اللَّهْوِ وَالْعَبَث:
إِلَى مَتَى الْغَفْلَة؟! إِلَى مَتَى التَّسْوِيف؟! هَذَا
"هِلَالُ رَمَضَانَ" قَدْ لَاح، وَهَذَا "نِدَاءُ الرَّحْمَنِ"
قَدْ صَاح: «يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ»
[رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. أَمَا آنَ لِقَلْبِكَ أَنْ
يَخْشَع؟! أَمَا آنَ لِعَيْنِكَ أَنْ تَدْمَع؟! تَذَكَّرْ مَنْ كَانَ مَعَكَ فِي
رَمَضَانَ الْمَاضِي مِنَ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ وَالْجِيرَان؛ أَيْنَ هُمُ
الْآن؟! لَقَدْ وَارَاهُمُ التُّرَاب، وَانْقَطَعَ عَنْهُمُ الْعَمَل،
وَارْتَهَنُوا بِمَا قَدَّمُوا.
وَأَنْتَ! أَنْتَ مَا زِلْتَ فِي فُسْحَة! أَعْطَاكَ اللَّهُ
فُرْصَةً جَدِيدَةً لَا تُقَدَّرُ بِثَمَن؛ أَعْطَاكَ رَمَضَانَ جَدِيدًا
لِتُصَحِّحَ الْمَسَار، وَتَمْحُوَ الْأَوْزَار. فَهَلْ سَتُضَيِّعُ هَذِهِ
الْفُرْصَةَ كَمَا ضَيَّعْتَ غَيْرَهَا؟! إِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ أَنْ يَدْخُلَ
عَلَيْكَ الشَّهْرُ وَأَنْتَ مُصِرٌّ عَلَى الْمَعَاصِي. إِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ
مِمَّنْ "رَغِمَ أَنْفُه" بِدُعَاءِ جِبْرِيلَ وَتَأْمِينِ مُحَمَّدٍ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم. مَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ فِي رَمَضَان، فِي
مَوْسِمِ الرَّحْمَة، وَأَبْوَابُ الْجَنَّةِ مُفَتَّحَة، وَالشَّيَاطِينُ
مُصَفَّدَة، فَمَتَى يُغْفَرُ لَه؟! إِنَّهُ الْمَحْرُومُ حَقًّا.
يَا أَخِي.. لَا تَجْعَلْ رَمَضَانَ هَذَا الْعَامَ رَمَضَانَ
الْمُسَلْسَلَاتِ وَالْفَوَازِيرِ وَالْوَلَائِم، بَلِ اجْعَلْهُ رَمَضَانَ
التَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ وَالْقُرْآن. قَاطِعِ الشَّاشَاتِ الَّتِي تَسْرِقُ
عُمُرَك، وَأَغْلِقِ الْهَوَاتِفَ الَّتِي تُشَتِّتُ قَلْبَك. فِرَّ إِلَى اللَّه؛
فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي، لَعَلَّهُ يَكُونُ آخِرَ رَمَضَانَ فِي عُمُرِك!
وَيَا شَبَابَ الْإِسْلَام:
أَنْتُمُ الْقُوَّة، وَأَنْتُمُ الْأَمَل. رَمَضَانُ يُنَادِيكُمْ
لِتَكُونُوا "رُهْبَانَ اللَّيْل" وَ"فُرْسَانَ النَّهَار".
لَا تَجْعَلُوا لَيَالِيَ رَمَضَانَ لِلسَّهَرِ فِي الْمَقَاهِي وَعَلَى
الْأَرْصِفَة، بَلِ اجْعَلُوهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَحِلَقِ الذِّكْر. أَرُوا
اللَّهَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خَيْرًا؛ نَافِسُوا الشُّيُوخَ فِي الصَّفِّ الْأَوَّل،
وَاحْمِلُوا الْمَصَاحِفَ وَاتْلُوا كِتَابَ رَبِّكُمْ آنَاءَ اللَّيْلِ
وَأَطْرَافَ النَّهَار. إِنَّ الشَّبَابَ الَّذِي يَنْشَأُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
هُوَ أَحَدُ السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا
ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه. فَكُونُوا مِنْ هَؤُلَاءِ الصَّفْوَة.
وَخِتَامًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون:
إِنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، خَرَجَ مِنْ
ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّه. أَبْشِرُوا بِرَبٍّ كَرِيم، يُعْطِي
الْجَزِيلَ عَلَى الْقَلِيل، وَيُعْتِقُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ عِنْدَ الْإِفْطَارِ
عُتَقَاءَ مِنَ النَّار. فَاجْتَهِدُوا أَنْ تَكُونُوا مِنْهُم، وَتَعَرَّضُوا
لِنَفَحَاتِ رَبِّكُم. وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلصَّائِمِ دَعْوَةً لَا تُرَدّ؛
فَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ لِأَنْفُسِكُمْ وَلِأَهْلِيكُمْ وَلِأُمَّتِكُمُ
الْمَكْلُومَة.
أَيُّهَا الصَّائِمُونَ الْقَائِمُون:
هَذَا رَمَضَانُ قَدْ أَقْبَل، كَالسَّحَابَةِ الْمُمْطِرَةِ
بِالْغَيْثِ بَعْدَ الْجَدْب؛ فَافْتَحُوا لَهُ صُدُورَكُم، وَطَهِّرُوا لَهُ
قُلُوبَكُم، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَوْنَ وَالسَّدَاد. أَلَا وَصَلُّوا
وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ بَشَّرَنَا بِهَذَا الشَّهْر، وَسَنَّ لَنَا فِيهِ سُنَنَ
الْهُدَى، نَبِيِّنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّه.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي الْأَوَّلِين،
وَصَلِّ عَلَيْهِ فِي الْآخِرِين، وَصَلِّ عَلَيْهِ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى
إِلَى يَوْمِ الدِّين. اللَّهُمَّ أَهِلَّ رَمَضَانَ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ
وَالْإِيمَان، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَام، وَالتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ
وَتَرْضَى. اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا لِرَمَضَان، وَسَلِّمْ رَمَضَانَ لَنَا،
وَتَسَلَّمْهُ مِنَّا مُتَقَبَّلًا. اللَّهُمَّ أَعِنَّا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ
وَالْقِيَام، وَغَضِّ الْبَصَرِ وَحِفْظِ اللِّسَان. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا فِيهِ
مِنَ السَّابِقِينَ إِلَى الْخَيْرَات، وَمِنَ الْمُنَافِسِينَ فِي الطَّاعَات.
اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ حَظَّنَا مِنْ صِيَامِنَا الْجُوعَ وَالْعَطَش، وَلَا
مِنْ قِيَامِنَا السَّهَرَ وَالتَّعَب.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا فِيهِ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ بِتَدَبُّرٍ
وَخُشُوع، وَاجْعَلْهُ لَنَا نُورًا وَشِفَاءً وَهُدًى. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا
فِيهِ لَيْلَةَ الْقَدْر، وَاجْعَلْهَا خَيْرًا لَنَا مِنْ أَلْفِ شَهْر،
وَاكْتُبْ لَنَا فِيهَا عَظِيمَ الْأَجْر. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا وَوَالِدِينَا
وَأَهْلِينَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ فِي هَذَا الشَّهْرِ الْكَرِيم.
اللَّهُمَّ يَا مُغَيِّرَ الْأَحْوَالِ غَيِّرْ حَالَنَا إِلَى أَحْسَنِ حَال.
اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوَانَنَا الْمُسْلِمِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي غَزَّةَ
وَفِلَسْطِينَ وَفِي كُلِّ مَكَان. اللَّهُمَّ أَطْعِمْ جَائِعَهُم، وَاكْسُ
عَارِيَهُم، وَاشْفِ مَرِيضَهُم، وَتَقَبَّلْ شَهِيدَهُم.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَ هَذَا شَهْرَ نَصْرٍ وَتَمْكِينٍ
لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِك، الَّذِينَ قَاتَلُوا لِتَكُونَ كَلِمَتُكَ هِيَ
الْعُلْيَا، فَآمَنُوا بِك، وَحَكَمُوا بِشَرْعِك، وَأَقَامُوا حُدُودَك،
وَقَاتَلُوا الْكُفَّارَ وَالْمُرْتَدِّينَ كَافَّةً، بِعَقِيدَةٍ صَافِيَة،
وَلَمْ يُغَيِّرُوا وَلَمْ يُبَدِّلُوا، وَكَفَرُوا بِالطَّاغُوتِ وَشَرْعِهِ
وَدِيمُقْرَاطِيَّتِه. وَاجْعَلْهُ اللَّهُمَّ شَهْرَ ذُلٍّ وَهَوَانٍ عَلَى
الْيَهُودِ وَالصَّلِيبِيِّينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْمُرْتَدِّين. اللَّهُمَّ
فَرِّجْ كُرُبَ الْمَكْرُوبِين، وَنَفِّسْ هَمَّ الْمَهْمُومِين، وَاقْضِ
الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِين. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِمَوْتَانَا وَمَوْتَى
الْمُسْلِمِين، الَّذِينَ شَهِدُوا لَكَ بِالْوَحْدَانِيَّة، وَلِنَبِيِّكَ
بِالرِّسَالَة، وَمَاتُوا عَلَى ذَلِك؛ اللَّهُمَّ اجْعَلْ رَمَضَانَهُمْ فِي
الْجَنَّةِ أَجْمَل.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 201]. ﴿سُبْحَانَ
رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ *
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 180-182].
عِبَادَ اللَّه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ
ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: 90]. فَاذْكُرُوا اللَّهَ
الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُم، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُم،
وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَر؛ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون.
المصدر: مدونة الشيخ زهير بن حسن حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/02/blog-post_12.html
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق