2026-01-25

الفصلُ الثالث مِن كتاب حِكَايَةُ مُؤْمِن مِنْ فِرَاشِ الْمَوْت .. إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّة الْفَصْلُ الثَّالِث: أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ وَالْحِسَاب كَتَبَهُ الشَّيْخ : زُهَيْر بْنُ حَسَن حُمَيْدَات

الفصلُ الثالث مِن كتاب

حِكَايَةُ مُؤْمِن

مِنْ فِرَاشِ الْمَوْت .. إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّة

الْفَصْلُ الثَّالِث:

أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ وَالْحِسَاب

كَتَبَهُ الشَّيْخ :  زُهَيْر بْنُ حَسَن حُمَيْدَات


فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ الْبَرْزَخِيِّ الْهَادِئ..

حَيْثُ كُنْتُ أَنْعَمُ بِجِوَارِ عَمَلِيَ الصَّالِحِ الْمُؤْنِس..

وَقَدْ فُرِشَ لِي مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ الْأَخْضَرَ مَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْكَرَامَة..

وَفُتِحَتْ لِي طَاقَةٌ مِنْ رِيَاضِهَا يَأْتِينِي مِنْهَا الرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ وَشَذَى الْمِسْك..

بَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ مُسْتَبْشِرٌ بِنَعِيمِ اللَّه..

بَدَأَتْ لَحَظَاتُ السُّكُونِ الْمُرِيبِ الَّذِي يَسْبِقُ الْعَاصِفَة..

لَمْ يَكُنْ سُكُونًا مُعْتَادًا كَمَا عَهِدْتُهُ فِي لَيَالِي الْبَرْزَخِ الطَّوِيلَة..

بَلْ كَانَ ثِقَلًا غَرِيبًا جَثَمَ عَلَى أَنْفَاسِ الْوُجُودِ كُلِّه..

وَكَأَنَّ ذَرَّاتِ الْكَوْنِ قَدْ تَوَقَّفَتْ عَنِ التَّسْبِيحِ فِجْأَةً مِنَ الْهَوْل..

انْتِظَارًا لِحَدَثٍ جَلَلٍ لَمْ تَرَ الْخَلِيقَةُ مِثْلَهُ مُنْذُ بَدْءِ الزَّمَان..

فَجْأَةً.. وَدُونَ سَابِقِ إِنْذَار..

انْقَطَعَ نَسِيمُ الْجَنَّةِ الْعَلِيلُ الَّذِي كَانَ يُلَاعِبُ وَجْهِي..

وَأُغْلِقَتِ النَّافِذَةُ الَّتِي كَانَتْ تُطِلُّ عَلَى مَقْعَدِي فِي الْخُلْد..

وَحَلَّ مَحَلَّ الْأُنْسِ وَحْشَةٌ قَاتِلَة، وَمَحَلَّ النُّورِ كُسُوفٌ وَظُلْمَة..

ارْتَعَبْتُ وَنَظَرْتُ إِلَى رَفِيقِي وَأَنِيسِي.. عَمَلِيَ الصَّالِح..

فَوَجَدْتُهُ قَدْ أَطْرَقَ رَأْسَهُ خُشُوعًا وَارْتِعَادًا..

وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ الْمُسْتَبْشِرَةُ إِلَى مَلَامِحِ الْجِدِّ وَالْوَجَلِ وَالْفَزَع..

سَأَلْتُهُ بِعَيْنَيْنِ مَلْؤُهُمَا الْحَيْرَةُ وَالرَّجْفَة:

مَاذَا يَجْرِي يَا صَاحِبِي؟

فَأَجَابَنِي بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ هَيْبَةً لَا خَوْفًا..

صَوْتَ مَنْ يَعْلَمُ الْحَقِيقَةَ وَيَنْتَظِرُ الْوَعْد:

يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْتَعِدّ..

وَتَمَسَّكْ بِرَحْمَةِ رَبِّك..

لَقَدْ بَدَأَ الْأَمْر..

لَقَدْ حَانَ الْمَوْعِد..

لَقَدْ أَذِنَ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ بِخَرَابِ الدُّنْيَا..

لَقَدْ قَامَتِ السَّاعَة..


وَأَنَا فِي بَاطِنِ الْأَرْض.. فِي عُمْقِ لَحْدِي..

شَعَرْتُ بِالْكَوْنِ كُلِّهِ يَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةَ الطَّائِرِ الْمَذْبُوح..

ارْتَجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا عَنِيفًا مَزَّقَ أَوْصَالَهَا..

لَمْ يَكُنْ زِلْزَالًا مَوْضِعِيًّا يَهْدِمُ مَدِينَةً أَوْ يُدَمِّرُ قَرْيَة..

بَلْ كَانَتْ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ الْكُبْرَى..

تِلْكَ الَّتِي قَالَ عَنْهَا رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ الْمَحْفُوظ:

﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيم﴾..

سَمِعْتُ بِحَاسَّةِ السَّمْعِ الْبَرْزَخِيَّةِ الْخَارِقَةِ صَوْتَ الْأَوْتَادِ وَهِيَ تُقْتَلَع..

تِلْكَ الْجِبَالُ الشَّامِخَةُ الرَّاسِيَاتُ الَّتِي كَانَتْ تُثَبِّتُ الْأَرْض..

تِلْكَ الصُّخُورُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي ظَنَّ أَهْلُ الدُّنْيَا أَنَّهَا خَالِدَةٌ بَاقِيَة..

بَدَأَتْ تَتَحَرَّكُ مِنْ أَمَاكِنِهَا اقْتِلَاعًا..

تَسِيرُ كَالسَّحَاب.. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب..

سَمِعْتُ دَوِيَّ اصْطِدَامِهَا بِبَعْضِهَا كَأَنَّهَا حَصَيَاتٌ فِي يَدِ طِفْل..

ثُمَّ رَأَيْتُهَا بِبَصِيرَتِي تَتَفَتَّتُ وَتَنْدَكّ..

لِتُصْبِحَ رِمَالًا نَاعِمَةً مَهِيلَة..

ثُمَّ تَتَطَايَرُ فِي الْهَوَاءِ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوش..

كَالصُّوفِ الْمُتَطَايِرِ فِي الرِّيحِ الْعَاصِف..

لَقَدْ نُسِفَتِ الْجِبَالُ نَسْفاْ..

وَتُرِكَتِ الْأَرْضُ قَاعًا صَفْصَفاْ.. لَا عِوَجَ فِيهَا وَلَا أَمْتاْ..

وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ الْيَابِسَة..

سَمِعْتُ هَدِيرَ الْبِحَارِ وَالْمُحِيطَاتِ وَهِيَ تَغْلِي وَتَفُور..

تِلْكَ الْمِيَاهُ الْعَظِيمَةُ الَّتِي كَانَتْ تُغَطِّي غَالِبِيَّةَ الْأَرْض..

اِشْتَعَلَتْ فِيهَا النِّيرَان!

كَيْفَ يَشْتَعِلُ الْمَاء؟!

إِنَّهُ أَمْرُ (كُنْ فَيَكُون) مِنْ رَبِّ الْعَالَمِين..

﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَت﴾.. أَيْ أُوقِدَتْ نَارًا مُسْتَعِرَة..

غَلَتِ الْمِيَاهُ وَتَبَخَّرَتْ وَتَحَوَّلَتْ إِلَى حِمَمٍ بُرْكَانِيَّةٍ تَأْكُلُ الْيَابِسَة..

ثُمَّ ارْتَفَعَ بَصَرِي الرُّوحِيُّ إِلَى السَّمَاء..

ذَلِكَ السَّقْفُ الْمَحْفُوظُ الْمَتِينُ بَدَأَ يَتَصَدَّعُ وَيَتَشَقَّق..

رَأَيْتُ النُّجُومَ الَّتِي كَانَتْ زِينَةً لِلسَّمَاءِ تَنْطَفِئُ أَنْوَارُهَا..

وَتَتَسَاقَطُ كَحَبَّاتِ الْعِقْدِ الْمَنْفَرِط..

﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت﴾..

تَهَاوَتِ الْكَوَاكِب.. وَاصْطَدَمَتْ بِبَعْضِهَا..

فِي مَشْهَدٍ لَوْ رَآهُ حَيٌّ لَمَاتَ مِنْ هَوْلِه..

وَالشَّمْس.. تِلْكَ الْكُرَةُ الْمُلْتَهِبَة.. كُوِّرَتْ..

أَيْ لُفَّتْ وَطُوِيَ ضَوْؤُهَا وَرُمِيَ بِهَا فِي جَهَنَّم..

اخْتَلَّ نِظَامُ الْجَاذِبِيَّة..

وَانْفَرَطَ عِقْدُ الْمَجَرَّات..

السَّمَاءُ لَمْ تَعُدْ زَرْقَاءَ صَافِيَة..

بَلْ تَلَوَّنَتْ بِأَلْوَانِ الرُّعْبِ وَالْفَنَاء..

أَحْمَرَ كَالدِّهَان.. وَأَسْوَدَ كَالْمُهْلِ يَغْلِي..

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْل﴾..


وَفِي خِضَمِّ هَذَا الدَّمَارِ الشَّامِلِ جَاءَتِ الصَّيْحَةُ الْقَاتِلَة..

وَقَفَ الْمَلَكُ الْعَظِيمُ إِسْرَافِيلُ صَاحِبُ الصُّورِ يَنْظُرُ إِلَى الْعَرْش..

وَقَدْ حَبَسَ أَنْفَاسَهُ مُنْذُ خَلْقِهِ انْتِظَارًا لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ الْفَاصِلَة..

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْه: اُنْفُخْ لِفَنَاءِ الْخَلْق..

فَنَفَخَ نَفْخَةَ الصَّعْقِ فِي الصُّور..

صَوْتٌ لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ فِي قَوَامِيسِ اللُّغَةِ وَلَا فِي خَيَالِ الْبَشَر..

صَوْتٌ خَرَجَ مِنَ الصُّورِ فَخَرَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض..

سَمِعَهُ مَنْ فِي الْمَشْرِقِ وَمَنْ فِي الْمَغْرِبِ فِي آنٍ وَاحِد..

مَا إِنْ سَمِعَهُ الْأَحْيَاءُ عَلَى الْأَرْضِ حَتَّى تَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فِي أَجْوَافِهِمْ فَوْرًا..

مَاتَتِ الْمُرْضِعَةُ وَهِيَ تُلْقِمُ طِفْلَهَا الثَّدْيَ..

فَلَا هِيَ أَتَمَّتِ الرَّضَاعَةَ وَلَا الطِّفْلُ ارْتَوَى..

وَسَقَطَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَرْفَعُ اللُّقْمَةَ إِلَى فَمِهِ فَمَا وَصَلَت..

تَوَقَّفَتِ الْحَيَاةُ فَوْرًا..

هَلَكَ الْبَشَرُ جَمِيعًا.. وَهَلَكَ الْجِنّ..

وَهَلَكَتِ الْوُحُوشُ فِي الْبَرَارِي..

وَمَاتَتِ الطُّيُورُ فِي السَّمَاء..

وَمَاتَتِ الْحِيتَانُ فِي قَعْرِ الْمُحِيطَات..

لَمْ يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ دَيَّار.. وَلَا نَافِخُ نَار..


لَكِنَّ الْفَنَاءَ لَمْ يَنْتَهِ بَعْد..

بَدَأَ الْفَصْلُ الْأَكْثَرُ رَهْبَةً فِي تَارِيخِ الْوُجُودِ كُلِّه..

مَوْتُ أَهْلِ السَّمَاءِ وَالْمَلَإِ الْأَعْلَى..

أَنَا فِي مَأْمَنِي الْبَرْزَخِيِّ أَشْعُرُ بِارْتِجَافِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ وَارْتِعَادِ الْمَلَكُوت..

انْتَهَى دَوْرُ عُمَّارِ السَّمَاوَات..

فَنَادَى الْجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُه..

وَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي لَا يَمُوت..

نَادَى عَلَى مَلَكِ الْمَوْتِ بِصَوْتِ الْعَظَمَةِ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَكْوَان:

يَا مَلَكَ الْمَوْت، مَنْ بَقِيَ مِنْ خَلْقِي؟

وَهُوَ أَعْلَمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَنْ بَقِي..

وَلَكِنَّهُ حِوَارٌ لِإِظْهَارِ الْعَظَمَةِ وَتَفَرُّدِ الْبَقَاء..

فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ بِصَوْتٍ مُنْكَسِرٍ ذَلِيل.. خَائِفٍ وَجِل:

إِلَهِي، بَقِيَ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيل.. وَحَمَلَةُ عَرْشِك..

وَبَقِيَ عَبْدُكَ الضَّعِيفُ الْمَاثِلُ بَيْنَ يَدَيْك..

فَيَأْتِي الْأَمْرُ الْإِلَهِيُّ الَّذِي تَخِرُّ لَهُ الْجِبَال:

يَا مَلَكَ الْمَوْت، اقْبِضْ رُوحَ جِبْرِيل..

جِبْرِيل؟! أَمِينُ الْوَحْيِ؟! سَيِّدُ الْمَلَائِكَة؟!

الَّذِي لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ يَسُدُّ الْأُفُق؟!

الَّذِي قَلَبَ قُرَى قَوْمِ لُوطٍ بِطَرْفِ جَنَاحِهِ فَقَط؟!

نَعَمْ.. جَاءَتْ سَاعَتُه..

فَيَذْهَبُ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى جِبْرِيلَ فَيَجِدُهُ سَاجِدًا يَرْتَعِدُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّه..

فَيَنْتَزِعُ رُوحَهُ الطَّاهِرَة..

فَيَخِرُّ جِبْرِيلُ مَيِّتًا كَالْجَبَلِ الْعَظِيمِ إِذَا انْهَار..

انْطَفَأَ نُورُ الْوَحْيِ فِي السَّمَاء..

ثُمَّ يُنَادِي الْجَبَّار:

مَنْ بَقِيَ يَا مَلَكَ الْمَوْت؟

فَيَقُول: بَقِيَ مِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَحَمَلَةُ عَرْشِك..

وَعَبْدُكَ الضَّعِيف..

فَيَقُولُ اللَّه: اقْبِضْ رُوحَ مِيكَائِيل..

مِيكَائِيلُ الْمُوَكَّلُ بِالْقَطْرِ وَالنَّبَاتِ صَاحِبُ الْخَزَائِن..

فَيَمُوتُ مِيكَائِيل.. وَتَتَوَقَّفُ أَرْزَاقُ السَّمَاءِ تَمَامًا..

ثُمَّ يَقُولُ اللَّه: اقْبِضْ رُوحَ إِسْرَافِيل..

فَيَأْتِيهِ مَلَكُ الْمَوْت..

وَالصُّورُ لَا يَزَالُ عَلَى فَخْذِهِ مُسْتَعِدًّا لِلنَّفْخَةِ الثَّانِيَة..

فَيَقْبِضُ رُوحَه.. فَيَسْقُطُ الصُّورُ مِنْ يَدِه.. وَيَخِرُّ إِسْرَافِيلُ صَرِيعًا..

ثُمَّ يُنَادِي الْمَلِك:

مَنْ بَقِيَ يَا مَلَكَ الْمَوْت؟

فَيَقُول: إِلَهِي، بَقِيَ حَمَلَةُ عَرْشِكَ وَعَبْدُكَ الضَّعِيف..

فَيَقُولُ اللَّه: اقْبِضْ أَرْوَاحَ حَمَلَةِ الْعَرْش..

أُولَئِكَ الثَّمَانِيَةُ الْعِظَامُ الَّذِينَ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِئَةِ عَام..

يَمُوتُون! وَيَسْقُطُونَ صَرْعَى أَمَامَ الْعَرْش..

وَلَا يَبْقَى حَامِلٌ لِلْعَرْشِ إِلَّا قُدْرَةُ اللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم..


الْآنَ سَادَ صَمْتٌ مُرْعِبٌ فِي الْمَلَكُوت..

لَمْ يَبْقَ فِي الْكَوْنِ كُلِّهِ إِلَّا اثْنَان: اللَّهُ سُبْحَانَه.. وَمَلَكُ الْمَوْت..

فَيَقُولُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَم: مَنْ بَقِيَ يَا مَلَكَ الْمَوْت؟

فَيَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَقَدْ غَشِيَهُ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَا يَصِفُهُ وَاصِف:

إِلَهِي، بَقِيَ عَبْدُكَ الضَّعِيفُ الْمِسْكِين.. لَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنَا..

فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ بِلَهْجَةِ الْحَقِّ وَالْقَضَاء:

يَا مَلَكَ الْمَوْت، خَلَقْتُكَ لِمَا رَأَيْت..

وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَذُوقَنَّ مَا أَذَقْتَ عِبَادِي.. مُتْ يَا مَلَكَ الْمَوْت..

فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْحَاسِمَة..

يَصْرُخُ مَلَكُ الْمَوْتِ صَرْخَةً لَوْ سَمِعَهَا الْخَلَائِقُ لَمَاتُوا جَمِيعًا مِنْ شِدَّةِ هَوْلِهَا!

إِنَّهَا سَكْرَةُ الْمَوْتِ الَّتِي لَا يَنْجُو مِنْهَا أَحَد..

يَمُوتُ مَلَكُ الْمَوْت..

يَسْقُطُ مَيِّتًا هَامِدًا لَا حَرَاكَ بِه..

فَنِيَ الْكَوْنُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيه..

انْتَهَتِ الْقِصَّة..

انْتَهَتِ الْحُرُوبُ وَالصِّرَاعَاتُ وَالْمَمَالِكُ وَالْجَبَابِرَة..

أَيْنَ فِرْعَوْن؟! أَيْنَ هَامَان؟! أَيْنَ قَارُون؟!

أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ؟!

الْكُلُّ هَلَك..

الْفَضَاءُ فَارِغ.. السَّمَاوَاتُ خَالِيَة.. الْأَرْضُ مُدَمَّرَة..

فِي هَذَا الْفَرَاغِ الْمُطْلَقِ يَتَجَلَّى الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى..

يَطْوِي السَّمَاوَاتِ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُب..

وَيَقْبِضُ الْأَرْضَ بِقُدْرَتِه..

ثُمَّ يُنَادِي فِي الْمَلَكُوتِ وَلَا أَحَدَ يَسْمَعُ غَيْرُه:

أَنَا الْمَلِك.. أَنَا الدَّيَّان..

أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْض؟! أَيْنَ الْجَبَّارُون؟! أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُون؟!

ثُمَّ يَسْأَلُ سُؤَالًا وَاحِدًا يَرُجُّ أَرْكَانَ الْعَدَم:

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم؟

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم؟

لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْم؟

فَلَا يُجِيبُهُ أَحَد..

فَلَا جِبْرِيلَ لِيُجِيب.. وَلَا حَمَلَةَ عَرْشٍ لِيُسَبِّحُوا..

فَيُجِيبُ اللَّهُ نَفْسَهُ بِنَفْسِه.. بِإِجَابَةِ الْحَقِّ الْمُبِين:

﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾..

بَقِيتُ أَنَا.. رُوحَ الْمُؤْمِنِ فِي مَكَانٍ يَعْلَمُهُ اللَّه..

مَذْهُولًا مِنْ عَظَمَةِ مَا يَحْدُث..

أَنَا لَا أَرَى الذَّاتَ الْإِلَهِيَّة.. وَلَكِنِّي أَشْعُرُ بِآثَارِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِه..

أَشْعُرُ بِاسْمِهِ (الْقَهَّار) قَدْ تَجَلَّى بِأَعْظَمِ صُوَرِه..

لَقَدْ عَادَ الْوُجُودُ كَمَا بَدَأ..

﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه﴾..


لَكِنَّ هَذِهِ لَيْسَتِ النِّهَايَة..

بَلْ هِيَ التَّمْهِيدُ لِلْبِدَايَةِ الْأَبَدِيَّة..

فَبَعْدَ هَذَا الْمَوْتِ الشَّامِل..

وَبَعْدَ هَذَا السُّكُونِ الْمُرْعِبِ يَجِبُ أَنْ يَقُومَ الْمِيزَان..

يَجِبُ أَنْ تَعُودَ الْحَيَاةُ لِيَأْخُذَ كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّه..

بَقِيَ الْكَوْنُ فِي حَالَةِ الْعَدَمِ الْمُوحِشِ فَتْرَةً مِنَ الزَّمَن..

لَا صَوْت.. لَا حَرَكَة.. لَا نَبْض..

الْأَرْضُ الَّتِي كَانَتْ تَعِجُّ بِالْحَيَاةِ أَصْبَحَتْ كُتْلَةً هَامِدَة..

وَالسَّمَاءُ الَّتِي كَانَتْ مُزَيَّنَةً بِالنُّجُومِ أَصْبَحَتْ ظَلَامًا دَامِسًا..

الْكُلُّ مَات: الْمَلَائِكَة.. الْبَشَر.. الْجِنّ.. الْحَيَوَانَات..

لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَاحِدُ الْأَحَد.. الْفَرْدُ الصَّمَد..

الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ.. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد..

مَرَّتْ أَرْبَعُون..

قَالَ عَنْهَا نَبِيُّنَا ﷺ: «بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُون»..

قِيلَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ.. أَيِ امْتَنَعْتُ عَنِ التَّحْدِيد..

قِيلَ أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ..

قِيلَ أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ..

إِنَّهَا فَتْرَةٌ زَمَنِيَّةٌ بَرْزَخِيَّةٌ يَتَطَهَّرُ فِيهَا الْكَوْنُ مِنْ دَنَسِ الْعُصَاة..

وَيَسْتَعِدُّ لِاسْتِقْبَالِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيّ..


وَفِي تَمَامِ هَذَا الْمِيقَاتِ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُعِيدَ الْحَيَاةَ لِيَبْدَأَ الْحِسَاب..

فَكَانَتْ أُولَى خُطُوَاتِ الْبَعْثِ هِيَ:

إِحْيَاءُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ وَالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِين..

أَمَرَ اللَّهُ إِسْرَافِيلَ أَنْ يَحْيَا فَعَادَتْ إِلَيْهِ الرُّوح..

وَقَامَ وَالْتَقَمَ الصُّورَ فَوْرًا يَنْتَظِرُ الْأَمْرَ الثَّانِي..

وَأَمَرَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ أَنْ يَحْيَوْا فَعَادُوا لِحَمْلِ الْعَرْشِ بِقُدْرَةِ اللَّه..

وَأَمَرَ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَعَادَاْ..

ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ السَّمَاءَ أَنْ تُمْطِر..

وَلَكِنْ لَيْسَ مَطَرًا كَمَطَرِ الدُّنْيَا يُسْقِي الزَّرْعَ وَالضَّرْع..

إِنَّهُ مَطَرُ الرِّجَالِ أَوْ مَاءُ الْحَيَاة..

مَاءٌ أَبْيَضُ غَلِيظ.. كَمَنِيِّ الرِّجَال..

يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِكَثَافَةٍ لَمْ يَرَ الْخَلْقُ مِثْلَهَا..

انْهَمَرَ هَذَا الْمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ الْمَيِّتَةِ الْمُدَمَّرَة..

دَخَلَ فِي شُقُوقِهَا وَتَغَلْغَلَ فِي تُرَابِهَا..

وَبَحَثَ عَنْ كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ ذَرَّاتِ بَنِي آدَم..

كُنْتُ أَنَا وَبَقِيَّةُ الْبَشَرِ فِي حَالَةِ فَنَاءٍ جَسَدِيٍّ تَامّ..

تَحَلَّلَ اللَّحْمُ وَبَلِيَ الْعَظْمُ وَصَارَ تُرَابًا..

إِلَّا جُزْءًا صَغِيرًا جِدًّا دَقِيقًا لَا يُرَى بِالْعَيْنِ فِي نِهَايَةِ الْعَمُودِ الْفِقْرِيّ..

يُسَمَّى عَجْبَ الذَّنَب..

إِنَّهُ الْبَذْرَةُ الْإِلَهِيَّةُ الَّتِي لَا تَأْكُلُهَا الْأَرْض.. وَمِنْهَا يُرَكَّبُ الْخَلْق..

عِنْدَمَا لَامَسَ مَاءُ الْحَيَاةِ هَذِهِ الْبَذْرَةَ الْخَاصَّةَ بِي بَدَأَتْ عَمَلِيَّةُ الْإِنْبَات..

نَعَمْ.. نَبَتْنَا كَمَا تَنْبُتُ الْبَقْلَة!

بَدَأَ جَسَدِي يَتَشَكَّلُ تَحْتَ التُّرَاب..

نَبَتَتِ الْعِظَامُ أَوَّلًا..

تَشَابَكَتِ الْأَصَابِع..

اِمْتَدَّتِ السَّاقَان..

تَكَوَّنَ الْقَفَصُ الصَّدْرِيُّ وَتَشَكَّلَتِ الْجُمْجُمَة..

ثُمَّ كَسَى اللَّهُ الْعِظَامَ لَحْمًا..

ثُمَّ عَصَبًا.. ثُمَّ عُرُوقًا.. ثُمَّ جِلْدًا..

وَلَكِنَّ هَذَا الْجَسَدَ الْجَدِيدَ لَيْسَ ضَعِيفًا كَجَسَدِ الدُّنْيَا..

إِنَّهُ جَسَدٌ مُحَسَّنٌ مَصْنُوعٌ لِلْخُلُود..

جَسَدٌ لَا يَمُوتُ مَهْمَا عُذِّب.. وَلَا يَهْرَمُ مَهْمَا نُعِّم..

اِكْتَمَلَتِ الْأَجْسَادُ فِي بَاطِنِ الْأَرْض..

مِلْيَارَاتُ الْجُثَثِ الْكَامِلَة..

لَكِنَّهَا بِلَا حَرَاك..

كَأَصْنَامٍ نَائِمَةٍ فِي ظُلُمَاتِ التُّرَاب..

تَنْتَظِرُ الرُّوح..


ثُمَّ جَاءَ أَمْرُ الْمَلِك:

يَا إِسْرَافِيل، اُنْفُخْ نَفْخَةَ الْبَعْث..

وَقَبْلَ النَّفْخِ جُمِعَتِ الْأَرْوَاحُ كُلُّهَا..

أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُنَعَّمَةُ الَّتِي كَانَتْ تُعَلَّقُ فِي قَنَادِيلِ الْجَنَّة..

وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ الْمُعَذَّبَةُ الَّتِي كَانَتْ فِي سِجِّين..

وَوُضِعَتْ فِي ثُقْبِ الصُّور..

وَالصُّورُ هُوَ قَرْنٌ عَظِيمٌ مِنْ نُور.. لَا يَعْلَمُ اتِّسَاعَ دَائِرَتِهِ إِلَّا اللَّه..

كُلُّ ثُقْبٍ فِيهِ بِحَجْمِ السَّمَاءِ وَالْأَرْض..

نَفَخَ إِسْرَافِيل!

فَانْطَلَقَتِ الْأَرْوَاحُ مِنَ الصُّورِ بَعْدَ حَبْسِهَا..

خَرَجَتْ تُدَوِّي كَدَوِيِّ النَّحْل..

مَلَأَتِ الْأُفُقَ نُورًا لِلْمُؤْمِنِين.. وَظُلْمَةً لِلْكَافِرِين..

تَخَيَّلْ.. مِلْيَارَاتِ النِّقَاطِ الْمُضِيئَةِ وَالْمُظْلِمَةِ تَهْبِطُ مِنَ السَّمَاءِ كَالْمَطَر..

أَوْحَى اللَّهُ لِكُلِّ رُوح:

عُودِي إِلَى جَسَدِكِ الَّذِي كُنْتِ تَعْمُرِينَه..

لَا تُخْطِئُ رُوحٌ جَسَدَهَا أَبَدًا!

رَأَيْتُ رُوحِي.. تِلْكَ الَّتِي كَانَتْ طَائِرًا يَعْلَقُ بِشَجَرِ الْجَنَّة..

كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث:

«إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّة»..

تَهْبِطُ بِسُرْعَةِ الْبَرْق..

اخْتَرَقَتْ طَبَقَاتِ التُّرَابِ الْمُبَلَّلَةِ بِمَاءِ الْحَيَاة..

وَصَلَتْ إِلَى جَسَدِي.. دَخَلَتْ مِنْ خَيَاشِيمِي (أَنْفِي)..

شَعَرْتُ بِلَسْعَةٍ كَهْرَبَائِيَّةٍ تَسْرِي فِي كُلِّ عُضْوٍ مِنْ جَسَدِي..

مَشَتِ الرُّوحُ فِي رَأْسِي فَأَبْصَرَتْ عَيْنَايَ الظَّلَام..

مَشَتْ فِي صَدْرِي فَشَهَقْتُ أَوَّلَ نَفَس..

مَشَتْ فِي قَلْبِي فَدَقَّ طَبْلُ الْحَيَاة..

مَشَتْ فِي أَطْرَافِي فَتَحَرَّكَتْ يَدَايَ وَقَدَمَاي..

لَقَدْ عُدْتُ!

أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَان.. لَمْ أَتَغَيَّرْ..

هَذِهِ ذَاكِرَتِي.. وَهَذَا عَمَلِي.. وَهَذَا يَقِينِي..

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالتَّحْدِيد..

انْشَقَّتِ الْأَرْض!

﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُون﴾..

دَفَعْتُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِي وَقُمْتُ وَاقِفًا..

نَظَرْتُ حَوْلِي.. يَا إِلَهِي!

لَقَدِ اخْتَفَتْ مَعَالِمُ الْمَقْبَرَة..

لَا شَوَاهِد.. لَا سُور.. لَا بَوَّابَة..

أَنَا وَاقِفٌ عَلَى أَرْضٍ جَدِيدَةٍ تَمَامًا..

أَرْضٌ بَيْضَاء.. مُشْرَبَةٌ بِحُمْرَةٍ عَفْرَاء..

مُسْتَوِيَة.. تَمَامًا كَرَغِيفِ الْخُبْزِ النَّقِيّ..

لَا تَرَى فِيهَا جَبَلًا يَحْجُبُ الرُّؤْيَة.. وَلَا وَادِيًا تَخْتَبِئُ فِيه..

وَالْبَشَر.. بَحْرٌ مِنَ الْبَشَر!

خَرَجُوا جَمِيعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَة..

الْكُلُّ وَاقِفٌ مَذْهُولٌ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ وَشَعْرِه..

الْكُلُّ عُرَاةٌ كَمَا وَلَدَتْهُمْ أُمَّهَاتُهُمْ..

لَا قِطْعَةَ قُمَاشٍ وَاحِدَةٍ عَلَى جَسَدِ إِنْسَان..

الْكُلُّ حُفَاة.. لَا نِعَالَ وَلَا أَحْذِيَة..

الْكُلُّ غُرْلٌ.. عَادَتِ الْجُلْدَةُ الَّتِي قُطِعَتْ عِنْدَ الْخِتَان..

وَلَكِنْ هُنَا ظَهَرَ الْفَرْقُ الْهَائِلُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر..

سَمِعْتُ صَرَخَاتِ الرُّعْبِ حَوْلِي..

رَأَيْتُ الْكُفَّارَ وَالْمُجْرِمِين..

وُجُوهُهُمْ سَوْدَاء.. وَعُيُونُهُمْ زَرْقَاءُ مِنَ الْهَوْل..

يَقُولُونَ بِصَوْتٍ يَخْلَعُ الْقَلْب:

يَا وَيْلَنَا! مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا؟

يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي نَوْمَةٍ وَاسْتَيْقَظُوا عَلَى كَابُوس..

أَمَّا أَنَا فَقَدْ تَحَسَّسْتُ قَلْبِي فَوَجَدْتُهُ يَنْبِضُ بِذِكْرِ اللَّه..

نَظَرْتُ إِلَى جَسَدِي فَلَمْ أَجِدْ ظُلْمَة..

بَلْ وَجَدْتُ نُورًا يَسْرِي فِي عُرُوقِي وَيُشِعُّ مِنْ وَجْهِي..

إِنَّهُ نُورُ الْوُضُوء!

يَدَايَ تَلْمَعَانِ تَحْجِيلًا.. وَوَجْهِي يُشْرِقُ كَالْقَمَرِ غُرَّة..

وَبِجَانِبِي وَقَفَ شَخْصَانِ مَهِيبَان..

مَلَكَانِ كَرِيمَانِ لَمْ يُفَارِقَانِي..

﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيد﴾..

أَحَدُهُمَا سَائِقٌ يَسُوقُنِي إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَر..

وَالْآخَرُ شَهِيدٌ يَشْهَدُ بِمَا فَعَلْت..

قَالَ لِي السَّائِقُ بِلُطْف:

قُمْ يَا عَبْدَ اللَّه.. لَا خَوْفٌ عَلَيْكَ الْيَوْم..

وَعِنْدَمَا سَمِعْتُ صُرَاخَ الْكُفَّار: مَنْ بَعَثَنَا؟

انْطَلَقَ لِسَانِي وَلِسَانُ كُلِّ مُؤْمِنٍ بِالْإِجَابَةِ الْمُطْمَئِنَّة:

﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُون﴾..

نَعَمْ هَذَا هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي صُمْنَا لِأَجْلِه.. وَجَاهَدْنَا لِأَجْلِه..

رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاء.. فَإِذَا هِيَ لَيْسَتْ كَسَمَائِنَا..

لَقَدْ كُشِطَتْ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهَا..

وَنَزَلَتْ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَات..

نَزَلَ أَهْلُ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَأَحَاطُوا بِالْبَشَر..

ثُمَّ أَهْلُ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ حَتَّى السَّابِعَة..

نَحْنُ الْآنَ مُحَاصَرُونَ بِصُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَة..

لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا اللَّه..

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفّاْ﴾..

لَقَدْ حَضَرَ سُلْطَانُ الْكَوْن..

بَدَأَ السَّوْق..

بَدَأَ النَّاسُ يَتَحَرَّكُونَ كَالْأَمْوَاجِ الْمُتَلَاطِمَةِ نَحْوَ أَرْضِ الْمَحْشَر..

الزِّحَامُ يَكْتُمُ الْأَنْفَاس.. لَا أَحَدَ يَلْتَفِتُ لِأَحَد..

﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه ، وَأُمِّهِ وَأَبِيه ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه﴾..

رَأَيْتُ زَوْجَتِي! نَعَمْ هِيَ!

تَبْكِي وَتَجْرِي مَعَ النَّاس..

وَدِدْتُ أَنْ أُنَادِيَهَا..

لَكِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ جَعَلَنِيْ أَقُوْل:

نَفْسِي.. نَفْسِي..

﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه﴾..

كُنْتُ مَشْغُولًا بِنَفْسِي وَبِالنُّورِ الَّذِي مَعِي..

كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ لَا يَنْطَفِئَ هَذَا النُورُ فِي وَسَطِ هَذَا الظَّلَام..

أَسِيرُ مَعَ السَّائِقِ وَالشَّهِيد..

وَقَدَمَايَ تَطَأُ الْأَرْضَ الْجَدِيدَة..

وَالْأَصْوَاتُ حَوْلِي تَخْفُتُ شَيْئًا فَشَيْئًا..

لَقَدْ بَدَأَ الْخُشُوع..

﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسَاْ﴾..

الْكُلُّ يَتَّجِهُ نَحْوَ مَكَانٍ وَاحِد..

الْكُلُّ يَنْتَظِرُ شَيْئًا وَاحِدًا..

إِنَّهُ مَوْقِفُ الْحِسَاب..


نَحْنُ الْآنَ عَلَى أَرْضِ الْمَحْشَر..

مِلْيَارَاتُ الْبَشَرِ يَقِفُونَ عَلَى صَعِيدٍ وَاحِد..

الْأَرْضُ بَيْضَاء.. عَفْرَاء.. مُسْتَوِيَة.. كَالْكِتَابِ الْمَفْتُوح..

لَا ظِلَّ فِيهَا.. وَلَا شَجَر..

وَلَا جَبَل.. وَلَا حَجَر..

وَلَا بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَر..

إِنَّهَا أَرْضُ الْعَرْض..

كُنْتُ أَقِفُ وَسَطَ هَذَا الزِّحَامِ الْخَانِقِ الَّذِي لَا يُوصَف..

الْأَكْتَافُ تُلَاصِقُ الْأَكْتَاف.. وَالْأَقْدَامُ تَطَأُ الْأَقْدَام..

لَا مَجَالَ لِلْحَرَكَة.. وَلَا مَجَالَ لِلْهَرَب..

الْمُلُوكُ الَّذِينَ كَانُوا يَحْكُمُونَ الدُّنْيَا..

وَالْجَبَابِرَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَمْشُونَ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا..

أَرَاهُمُ الْيَوْمَ أَذِلَّةً صَاغِرِين..

عُرَاةً مِثْلَ أَفْقَرِ فَقِيرٍ عَاشَ فِي الزَّمَان..

سَقَطَتِ الْأَلْقَابُ وَتَلَاشَتِ الرُّتَب..

وَبَقِيَ فَقَطْ عَبْدُ اللَّه..

وَفِي أَثْنَاءِ هَذَا الِانْتِظَارِ الْمُخِيف..

حَدَثَ مَا لَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ بَشَر..

نَظَرْتُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا بِهَا تَتَغَيَّرُ فَوْقَ رُؤُوسِنَا..

لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ الشَّمْسَ أَنْ تَعُود..

وَلَكِنْ لَيْسَتْ شَمْسَ الدُّنْيَا الَّتِي كَانَتْ بَعِيدَةً عَنَّا بِمَلَايِينِ الْأَمْيَال..

إِنَّهَا شَمْسٌ جَدِيدَةٌ لَهَا حَرَارَةُ الْغَضَب..

بَدَأَتْ تَقْتَرِب.. وَتَقْتَرِب.. وَتَقْتَرِب..

صِرْنَا نَصْرُخُ مِنْ شِدَّةِ الْوَهَج..

يَا رَبِّ سَلِّمْ.. يَا رَبِّ سَلِّمْ..

حَتَّى وَقَفَتْ فَوْقَ الرُّؤُوسِ بِمِقْدَارِ مِيل!

إِنَّهَا قَرِيبَةٌ جِدًّا تَكَادُ تَمَسُّ الْجِبَاه..

اشْتَدَّ الْكَرْب.. وَغَلَتِ الرُّؤُوس..

أَصْبَحَتِ الْأَرْضُ تَحْتَ أَقْدَامِنَا كَالصَّفِيحِ السَّاخِن..


وَهُنَا بَدَأَ الطُّوفَانُ الدَّاخِلِيّ..

بَدَأَ النَّاسُ يُفْرِزُونَ الْعَرَق..

لَيْسَ عَرَقًا عَادِيًّا يَنْتُجُ عَنِ الْحَرِّ فَقَطْ..

بَلْ هُوَ عَرَقٌ يَنْبُعُ مِنَ الذُّنُوب..

كُلَّمَا كَانَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا كَثِيرَةً كُلَّمَا كَانَ عَرَقُهُ أَغْزَرَ وَأَنْتَن..

رَأَيْتُ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ وَصَلَ الْعَرَقُ إِلَى كَعْبَيْه..

وَرَأَيْتُ آخَرِينَ قَدْ وَصَلَ إِلَى رُكْبَتَيْه..

وَرَأَيْتُ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَقْوَيْه (خِصْرِه)..

وَرَأَيْتُ مَنْ أَلْجَمَهُ الْعَرَقُ إِلْجَاماْ!

وَصَلَ إِلَى فَمِهِ وَأَنْفِه.. فَأَخَذَ يَغُوصُ فِيهِ كَمَا يَغُوصُ الْغَرِيقُ فِي الْبَحْر..

يَصْرُخُ وَلَا يَسْمَعُهُ أَحَد.. يَسْتَغِيثُ وَلَا يُغِيثُهُ أَحَد..

رَأَيْتُ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُتْرَفِينَ يَتَعَطَّرُونَ بِأَغْلَى الْعُطُور..

وَهُمُ الْيَوْمَ فِي بَحْرٍ مِنْ عَرَقِهِمُ الْمُنْتِن..

لَا يَجِدُونَ مَنْشَفَةً وَلَا مَاءً لِلْغُسْل..

أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَعَرْتُ بِحَرَارَةِ الشَّمْسِ تَلْفَحُ وَجْهِي فِي الْبِدَايَة..

خِفْتُ وَارْتَجَفَ قَلْبِي..

نَظَرْتُ إِلَى جَسَدِي فَوَجَدْتُ قَطَرَاتٍ مِنَ الْعَرَقِ تَخْرُجُ مِنِّي..

لَكِنَّهَا كَانَتْ قَلِيلَة.. وَرَائِحَتُهَا لَيْسَتْ كَرِيهَة..

إِنَّهَا بَقَايَا ذُنُوبٍ قَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْهَا..

أَوْ كَفَّرَتْهَا الْأَحْزَانُ وَالْأَمْرَاضُ فِي الدُّنْيَا..

وَلَكِنْ مَعَ اسْتِمْرَارِ الْوُقُوفِ بَدَأَتِ الشَّمْسُ لَا تُطَاق..

نَظَرْتُ حَوْلِي أَبْحَثُ عَنْ مَلْجَأ..

لَا جِدَار.. لَا شَجَرَة.. لَا سَقْف..

أَيْنَ الْمَفَرّ؟!

تَذَكَّرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ:

«سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّه»..

وَفِي قِمَّةِ احْتِيَاجِي..

وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي كِدْتُ أَشْعُرُ فِيهَا بِالدَّوَارِ مِنَ الْوَهَج..

تَحَرَّكَ شَيْءٌ مِنْ دَاخِلِي أَوْ مِنْ حَوْلِي.. لَسْتُ أَدْرِي..

انْبَثَقَتْ سَحَابَةٌ بَيْضَاءُ كَثِيفَةٌ بَارِدَة..

خَرَجَتْ مِنْ صَحِيفَةِ أَعْمَالِي!

ارْتَفَعَتْ هَذِهِ السَّحَابَةُ فَوْقَ رَأْسِي مُبَاشَرَة..

وَوَقَفَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّمْس..

يَا لَلنَّعِيم!

انْكَسَرَتْ حِدَّةُ الشَّمْسِ وَحَلَّ مَحَلَّهَا ظِلٌّ ظَلِيلٌ بَارِد..

نَظَرْتُ إِلَى هَذِهِ الْمِظَلَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِدَهْشَة..

مِمَّ تَكَوَّنَتْ؟

عَرَفْتُهَا.. إِنَّهَا صَدَقَتِي!

تَذَكَّرْتُ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ:

«كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاس»..

تِلْكَ الدَّنَانِيرُ الَّتِي أَخْرَجْتُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه..

وَتِلْكَ اللُّقَمُ الَّتِي أَطْعَمْتُهَا لِلْجِيَاع..

وَتِلْكَ الثِّيَابُ الَّتِي كَسَوْتُ بِهَا الْفُقَرَاء..

لَقَدْ نُسِجَتِ الْيَوْمَ لِتُصْبِحَ خَيْمَةً تَقِينِي لَهِيبَ الْمَحْشَر..

وَلَيْسَ الصَّدَقَةُ فَقَط!

بَلْ رَأَيْتُ غَمَامَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ تَقِفَانِ بِجَانِبِ ظِلِّ الصَّدَقَة..

كَأَنَّهُمَا جَبَلَانِ مِنْ نُور..

إِنَّهُمَا سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَان..

تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا..

وَقَفَتَا تُدَافِعَانِ عَنِّي ضِدَّ الْحَرِّ وَالْفَزَع..

شَعَرْتُ بِبُرُودَةٍ لَذِيذَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِي بَيْنَمَا النَّاسُ حَوْلِي يَصْرُخُونَ مِنَ الْحَرّ..

نَظَرْتُ إِلَى جَارِي فِي الْمَوْقِف..

وَكَانَ رَجُلًا لَاهِيًا عَنِ الصَّلَوَاتِ فِي الدُّنْيَا..

فَرَأَيْتُهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ يَحْتَمِي مِنَ الشَّمْس.. فَلَا تُغْنِي عَنْهُ شَيْئًا..

وَجِلْدُ وَجْهِهِ يَكَادُ يَنْصَهِر..

أَمَّا أَنَا فَكُنْتُ فِي وِقَايَةِ اللَّه..


لَكِنَّ الْأَمْرَ لَمْ يَنْتَهِ بِالْحَرِّ فَقَط..

إِنَّهَا مُشْكِلَةُ الْوَقْت..

يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَيْسَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَاعَة..

إِنَّهُ خَمْسُونَ أَلْفَ سَنَة..

تَخَيَّلْ أَنْ تَقِفَ عَلَى قَدَمَيْكَ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ وَلَا جُلُوسٍ لِمُدَّةِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة!

بَدَأَ النَّاسُ يَشْعُرُونَ بِالْمَلَلِ وَالْيَأْس..

طَالَ الْوُقُوفُ وَطَالَ الِانْتِظَار..

لَا حِسَابَ بَدَأَ.. وَلَا مَلَائِكَةَ تَكَلَّمَتْ..

وَلَا رَبَّنا ظَهَرَ لِيَفْصُلَ فِيْنَا..

صَمْت.. اِنْتِظَار.. حَرّ.. عَرَق.. خَوْف..

بَدَأَ النَّاسُ يَتَمَنَّوْنَ الِانْصِرَافَ وَلَوْ إِلَى النَّار!

نَعَمْ.. مِنْ شِدَّةِ هَوْلِ الْمَوْقِفِ صَارَ الْبَعْضُ يَقُول:

يَا رَبِّ أَرِحْنَا مِنْ هَذَا الِانْتِظَارِ وَلَوْ إِلَى جَهَنَّم..

أَمَّا أَنَا وَإِخْوَانِي مِنَ الْمُؤْمِنِين..

وَاللَّهِ مَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ الطَّوِيلُ عَلَيْنَا إِلَّا كَمِقْدَارِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَة..

كَأَنِّي وَقَفْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ أَوِ الْعَصْرَ ثُمَّ انْتَهَيْت..

خَفَّفَ اللَّهُ عَنَّا طُولَ الْيَوْم.. وَأَشْغَلَنَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَلَكُوتِهِ وَتَسْبِيحِه..

كُنْتُ أَتَحَدَّثُ مَعَ الْمَلَكَيْن (السَّائِقِ وَالشَّهِيد) تَحْتَ ظِلِّ صَدَقَتِي..

كُنْتُ أَرَى الْمَلَائِكَةَ الْمُحِيطِينَ بِنَا وَهُمْ مُطْرِقُونَ خُشُوعًا..

وَلَكِنْ رَغْمَ هَذَا التَّخْفِيفِ بَقِيَ شُعُورُ الْعَطَش..

فَالْأَجْسَادُ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الْقُبُورِ ظَامِئَة..

وَالْحَرُّ يُجَفِّفُ الْعُرُوق..

بَدَأَتِ الْأَعْنَاقُ تَشْرَئِبُّ وَالْقُلُوبُ تَهْفُو.. أَيْنَ الْمَاء؟

أَيْنَ الْمُغِيث؟

فَسَمِعْنَا نِدَاءً يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الصَّالِحِين:

الْحَوْضَ الْحَوْض.. عَلَيْكُمْ بِحَوْضِ مُحَمَّدٍ ﷺ..

لَمَعَتْ عَيْنَايَ بِالْأَمَل..

حَوْضُ النَّبِيّ!

ذَلِكَ الَّذِي وَعَدَنَا بِه..

مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَن.. وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَل.. وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْج..

مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا..

بَدَأْتُ أَتَلَفَّتُ بَيْنَ الْجُمُوع.. أَيْنَ هُوَ؟

فَرَأَيْتُ نُورًا سَاطِعًا فِي الْأُفُق..

وَرَأَيْتُ أُمَمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَتَّجِهُونَ نَحْوَه..

وَرَأَيْتُ الرَّجُلَ الْعَظِيمَ الَّذِي رَأَيْتُ صُورَتَهُ فِي قَبْرِي..

رَأَيْتُهُ الْيَوْمَ بِشَحْمِهِ وَلَحْمِهِ وَنُورِه..

وَاِقِفًا عَلَى حَافَةِ الْحَوْض..

بِيَدِهِ كُوبٌ مِنْ نُجُومِ السَّمَاء..

يَنْتَظِرُ أُمَّتَهُ لِيَسْقِيَهُم..

تَحَرَّكَتْ قَدَمَايَ نَحْوَهُ تِلْقَائِيًّا..

الْقَلْبُ يَخْفِق.. هَلْ سَأَصِل؟

أَمْ سَتَمْنَعُنِي الْمَلَائِكَةُ كَمَا تَمْنَعُ الْمُبَدِّلِينَ وَالْمُحْدِثِين؟

إِنَّهَا لَحْظَةُ اخْتِبَارِ الِاتِّبَاع..


بَيْنَ أَمْوَاجِ الْبَشَرِ الْمُتَلَاطِمَةِ وَتَحْتَ لَهِيبِ الشَّمْسِ الْحَارِقَة..

كَانَتْ عُيُونُ الْمُؤْمِنِينَ كُلُّهَا تَرْنُو إِلَى جِهَةٍ وَاحِدَة..

جِهَةٍ يَنْبَعِثُ مِنْهَا نُورٌ أَبْيَضُ نَاصِع..

وَيَهُبُّ مِنْهَا نَسِيمٌ بَارِدٌ يُنْعِشُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَاد..

إِنَّهُ حَوْضُ مُحَمَّدٍ ﷺ..

تَحَرَّكْتُ مَعَ جُمُوعِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ نَحْوَ ذَلِكَ النُّور..

كُنْتُ أَمْشِي وَقَلْبِي يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنَ أَضْلُعِي..

لَيْسَ خَوْفًا هَذِهِ الْمَرَّة.. بَلْ شَوْقًا وَلَهْفَة..

هَلْ حَقًّا سَأَرَاهُ؟ هَلْ حَقًّا سَأَقِفُ أَمَامَهُ وَجْهًا لِوَجْه؟

ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَبِي وَأُمِّي وَنَفْسِي..

ذَلِكَ النَّبِيُّ الَّذِي بَكَيْتُ عِنْدَمَا قَرَأْتُ سِيرَتَه..

وَجَاهَدْتُ نَفْسِي وَهَوَايَ لِاتِّبَاعِ سُنَّتِه..

اقْتَرَبْنَا مِنَ الْحَوْض..

يَا لَهُ مِنْ مَنْظَرٍ يَخْطَفُ الْأَلْبَاب!

حَوْضٌ مِسَاحَتُهُ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْأُرْدُنّ.. أَوْ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَعَدَن..

مَسِيرَةُ شَهْرٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِع..

مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَن..

وَأَحْلَى مَذَاقًا مِنَ الْعَسَل..

وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْك..

وَعَلَى حَافَّتَيْهِ تَتَلَأْلَأُ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة..

عَدَدُهَا كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاء..

تَخَيَّلْ مَلَايِينَ الْأَكْوَابِ الْمُضِيئَةِ الْمَصْفُوفَةِ بِانْتِظَام..

تَنْتَظِرُ الظَّامِئِينَ مِنَ الْمُوَحِّدِين..

وَفِي وَسَطِ هَذَا الْجَمَالِ كَانَ الْبَدْرُ يَقِفُ شَامِخًا..

رَسُولُ اللَّهِ ﷺ..

رَأَيْتُهُ بِعَيْنِيْ!

وَجْهُهُ يُشِعُّ نُورًا يَغْلِبُ نُورَ الشَّمْسِ وَنُورَ الْحَوْض..

وَاِقِفٌ مُشَمِّرٌ عَنْ سَاعِدَيْهِ الشَّرِيفَيْن.. مَهْمُومٌ بِأَمْرِ أُمَّتِه..

يُنَادِي: «هَلُمُّوا إِلَيّ.. هَلُمُّوا إِلَيَّ أُمَّتِي»..

كَانَ يَعْرِفُنَا!

نَعَمْ كَانَ يُمَيِّزُنَا وَاحِدًا وَاحِدًا مِنْ بَيْنَ مِلْيَارَاتِ الْبَشَر..

كَيْفَ عَرَفَنَا؟

بِآثَارِ الْوُضُوء..

تِلْكَ اللُّمْعَةُ الْبَيْضَاءُ فِي جِبَاهِنَا (الْغُرَّة)..

وَتِلْكَ الْأَسَاوِرُ النُّورَانِيَّةُ فِي أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا (التَّحْجِيل)..

لَقَدْ كَانَتْ صَلَاتُنَا فِي الدُّنْيَا هِيَ بِطَاقَةَ التَّعْرِيفِ فِي هَذَا الزِّحَام..

وَصَلْتُ إِلَيْهِ ﷺ..

وَقَعَتْ عَيْنِي فِي عَيْنِه..

ابْتَسَمَ لِي.. وَاللَّهِ لَقَدْ ابْتَسَم!

شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ تَعَبِ الْجِهَادِ وَسَهَرِ الْقِيَامِ وَصَبْرِ غَضِّ الْبَصَر..

قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى لَذَّةٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة..

مَدَّ يَدَهُ الشَّرِيفَةَ وَأَخَذَ كُوزًا مِنْ تِلْكَ الْأَكْوَابِ النُّجُومِيَّة..

وَغَرَفَ لِي مِنَ الْمَاءِ الْمُبَارَك..

نَاوَلَنِي إِيَّاه..

أَمْسَكْتُ الْكُوبَ بِيَدَيَّ الْمُرْتَعِشَتَيْنِ مِنَ الْفَرَح..

شَرِبْت..

يَا رَبِّ مَا هَذَا الطَّعْم؟

لَيْسَ مَاءً يَرْوِي الْعَطَشَ فَقَط..

إِنَّهُ مَاءٌ يَغْسِلُ الرُّوح.. وَيُطْفِئُ لَهَبَ الْخَوْف..

وَيَمْلَأُ الْجَوْفَ بِالْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَالْيَقِين..

نَزَلَ الْمَاءُ بَارِدًا فَانْطَفَأَ ظَمَأُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَوْرًا..

وَلَيْسَ ذَلِكَ فَحَسْب.. بَلْ شَعَرْتُ بِقُوَّةٍ خَارِقَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِي..

قُوَّةٍ تُؤَهِّلُنِي لِمَا بَقِيَ مِنْ أَهْوَالِ هَذَا الْيَوْم..

صَدَقَ الْحَبِيبُ حِيثُ قَال:

«مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا»..

وَفِي غَمْرَةِ هَذَا الْفَرَحِ شَاهَدْتُ مَشْهَدًا أَدْمَى قَلْبِي..

وَجَعَلَنِي أَحْمَدُ اللَّهَ عَلَى نِعْمَةِ الثَّبَات..

رَأَيْتُ أُنَاسًا مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَيْهِمْ سِيمَا الْإِسْلَام..

يَأْتُونَ مُسْرِعِينَ يُرِيدُونَ الشُّرْبَ مِثْلَنَا..

وَلَكِنْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الْحَوْضِ اعْتَرَضَتْهُمْ مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَاد..

مَلَائِكَةُ الذَّوْدِ وَالدَّفْع..

ضَرَبَتْ وُجُوهَهُمْ بِسِيَاطٍ مِنْ نَار.. وَدَفَعَتْهُمْ بَعِيدًا عَنِ الْمَاء..

تَغَيَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ وَظَهَرَ عَلَيْهِ الْأَلَمُ وَالْحَسْرَة..

فَنَادَى الْمَلَائِكَةَ قَائِلًا:

«أُمَّتِي.. أُمَّتِي!» أَيْ دَعُوهُمْ فَهُمْ مِنْ أُمَّتِي..

فَرَدَّتِ الْمَلَائِكَةُ بِصَوْتٍ صَارِمٍ حَازِم:

يَا مُحَمَّد، إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَك!

إِنَّهُمْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا..

وَانْقَلَبُوا عَلَى أَعْقَابِهِمُ الْقَهْقَرَى..

لَقَدْ كَانُوا أَهْلَ بِدَعٍ وَأَهْلَ تَغْيِيرٍ لِلدِّينِ وَأَهْلَ نِفَاق..

عِنْدَهَا حَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ وَجْهَهُ عَنْهُمْ..

وَقَالَ بِغَضَبِ الْمُحِبِّ لِدِينِ اللَّه:

«سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي!»..

أَيْ بُعْدًا لَهُمْ..

طُرِدُوا عَنِ الْمَاءِ فِي يَوْمِ الْعَطَشِ الْأَكْبَر..

نَظَرْتُ إِلَيْهِمْ وَهُمْ يُسْحَبُونَ عَنِ الْحَوْض..

فَتَمَسَّكْتُ بِالْكُوبِ فِي يَدِي..

وَحَمِدْتُ اللَّهَ الَّذِي ثَبَّتَنِي عَلَى السُّنَّةِ وَلَمْ يَجْعَلْنِي مِنَ الْمُحْدِثِين..


اِرْتَوَيْنَا..

نَحْنُ وَالْمُؤْمِنُونَ الصَّالِحُون..

لَكِنَّ الْمَوْقِفَ لَمْ يَنْتَهِ بَعْد..

لَا تَزَالُ الشَّمْسُ دَانِيَة..

وَلَا يَزَالُ بَقِيَّةُ الْخَلَائِقِ فِي الْعَنَاءِ وَالْعَرَق..

طَالَ الِانْتِظَارُ جِدًّا وَلَمْ يَبْدَأِ الْحِسَاب..

ضَجَّ النَّاسُ وَبَدَأُوا يَبْحَثُونَ عَنْ شَفِيع..

عَنْ شَفِيعٍ يُكَلِّمُ اللَّهَ لِيَبْدَأَ فَصْلَ الْقَضَاءِ وَيُرِيحَهُمْ مِنْ هَذَا الِانْتِظَار..

قَالُوا: اذْهَبُوا إِلَى آدَمَ أَبُو الْبَشَر..

تَحَرَّكَتِ الْأُمَمُ كَالطُّوفَانِ إِلَى سَيِّدِنَا آدَم:

يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَر.. خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِه.. وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَه..

اِشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك..

فَيَقُولُ آدَمُ وَهُوَ يَرْتَعِدُ وَيَذْكُرُ ذَنْبَه:

إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَه..

وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَه..

وَإِنِّي عَصَيْتُ رَبِّي فَأَكَلْتُ مِنَ الشَّجَرَة..

نَفْسِي، نَفْسِي..

اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي.. اذْهَبُوا إِلَى نُوح..

فَيَأْتُونَ نُوحًا شَيْخَ الْمُرْسَلِين..

فَيَعْتَذِرُ وَيَذْكُرُ دَعْوَتَهُ عَلَى قَوْمِهِ بِالْغَرَق..

وَيَقُول: نَفْسِي، نَفْسِي.. اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيم..

فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَن..

فَيَعْتَذِرُ وَيَذْكُرُ كَذَبَاتِهِ الثَّلَاثَ الَّتِي مَا قَالَهَا إِلَّا فِي ذَاتِ اللَّه..

وَيَقُول: نَفْسِي، نَفْسِي.. اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى..

فَيَأْتُونَ مُوسَى كَلِيمَ اللَّه..

فَيَعْتَذِرُ وَيَذْكُرُ قَتْلَهُ لِلنَّفْسِ الَّتِي لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهَا..

وَيَقُول: نَفْسِي، نَفْسِي.. اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى..

فَيَأْتُونَ عِيسَى رُوحَ اللَّه..

فَيَعْتَذِر.. وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا.. وَلَكِنَّهُ هَيْبَةً مِنَ اللَّهِ يَقُول:

نَفْسِي، نَفْسِي.. اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ..

عَادَتِ الْأَنْظَارُ كُلُّهَا إِلَى صَاحِبِ الْحَوْض..

الرَّجُلُ الَّذِي شَرِبْتُ مِنْ يَدِهِ قَبْلَ قَلِيل..

جَاءَتْهُ الْأُمَمُ تَجْرِي:

يَا مُحَمَّد، يَا رَسُولَ اللَّه..

أَنْتَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاء.. اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّك..

هَلِ اعْتَذَر؟ هَلْ قَالَ نَفْسِي نَفْسِي؟

كَلَّا وَاللَّه!

بَلْ قَامَ وَقَالَ بِكُلِّ ثِقَةٍ وَرَحْمَة:

«أَنَا لَهَا.. أَنَا لَهَا»..

تَحَرَّكَ النَّبِيُّ ﷺ..

وَتَحَرَّكَتْ خَلْفَهُ الْأَبْصَارُ تَتَعَلَّقُ بِبُرْدَتِه..

مَشَى حَتَّى وَصَلَ تَحْتَ الْعَرْش..

نَعَمْ.. عَرْشُ الرَّحْمَنِ قَدْ ظَهَرَ فِي الْأُفُقِ لِيُظِلَّ الْأَرْض..

وَتَحْتَ سَاقِ الْعَرْشِ خَرَّ مُحَمَّدٌ ﷺ سَاجِدًا..

سَجْدَةً طَوِيلَةً جِدًّا..

فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَحَامِدِ وَالثَّنَاءِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَه..

أَخَذَ يُمَجِّدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَحَامِدَ يُلْهِمُهُ اللَّهُ إِيَّاهَا فِي ذَلِكَ الْمَوْقِف..

بَقِيَ سَاجِدًا يَدْعُو وَيَتَضَرَّعُ لَا لِنَفْسِه.. بَلْ لِلْخَلَائِقِ لِيَبْدَأَ الْحِسَاب..

ثُمَّ نَزَلَ الْأَمْرُ مِنَ الْفَوْق..

سَمِعْنَا صَوْتَ الْجَبَّارِ يُنَادِي نَبِيَّنَا بِلُطْفٍ وَتَكْرِيم:

«يَا مُحَمَّد، ارْفَعْ رَأْسَك.. وَسَلْ تُعْطَهْ.. وَاشْفَعْ تُشَفَّع»..

رَفَعَ الْحَبِيبُ رَأْسَهُ وَالدُّمُوعُ تَمْلَأُ عَيْنَيْه..

وَقَال: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي..

فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَه..

وَأَذِنَ بِبَدْءِ يَوْمِ الْحِسَاب..


تَغَيَّرَ لَوْنُ السَّمَاء..

وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ الْأَبْيَض..

﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلاْ﴾..

نَزَلَ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِيَكُونَ فَوْقَ الْأَرْض..

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفَّا﴾..

﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَة﴾..

﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء﴾..

لَقَدْ بَدَأَتِ الْمَحْكَمَةُ الْإِلَهِيَّة..

وَوُضِعَتِ الْمَوَازِينُ الْقِسْط..

وَتَطَايَرَتِ الصُّحُفُ لِتَصِلَ إِلَى أَصْحَابِهَا..

أَنَا الْآنَ مُرْتَوٍ مِنَ الْحَوْض.. مُطْمَئِنٌّ بِظِلِّ صَدَقَتِي..

وَلَكِنَّ قَلْبِي يَخْفِقُ خَوْفًا مِنْ شَيْءٍ وَاحِد..

صَحِيفَتِي!

هَلْ سَأَسْتَلِمُهَا بِيَمِينِي فَأَكُونُ مِنَ السُّعَدَاء؟

أَمْ بِشِمَالِي فَأَكُونُ مِنَ الْأَشْقِيَاء؟

هَذَا هُوَ سُؤَالُ الْمَصِير..

بَعْدَ أَنْ أَذِنَ الْمَلِكُ الْجَبَّارُ بِبَدْءِ الْحِسَابِ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا..

سَادَ صَمْتٌ جَدِيدٌ فِي أَرْضِ الْمَحْشَر..

لَكِنَّهُ لَيْسَ صَمْتَ انْتِظَارٍ وَمَلَل.. بَلْ صَمْتَ تَرَقُّبِ الْمَصِير..

كُنَّا نَقِفُ صُفُوفًا لَا نِهَايَةَ لَهَا..

وَالْأَعْنَاقُ كُلُّهَا مُشْرَئِبَّةٌ نَحْوَ الْعَرْش..

هُنَاكَ تَحْتَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ حَيْثُ حُفِظَتِ الذَّوَاكِرُ وَالسِّجِلَّات..

كُلُّ كَلِمَةٍ قُلْنَاهَا.. وَكُلُّ خُطْوَةٍ مَشَيْنَاهَا.. وَكُلُّ نِيَّةٍ أَخْفَيْنَاهَا..

قَدْ دُوِّنَتْ فِي كُتُبٍ مَخْصُوصَة..

﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِه، وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُوراْ﴾..


وَفَجْأَة..

هَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ مِنَ قِبَلِ الْعَرْش..

فَانْفَتَحَتِ الْخَزَائِنُ السَّمَاوِيَّةُ الْمَحْفُوظَة..

وَرَأَيْتُ مَشْهَدًا تَخْلَعُ لَهُ الْأَفْئِدَةُ رُعْبًا وَرَجَاءً..

رَأَيْتُ الْكُتُبَ وَالصُّحُفَ تَتَطَايَرُ فِي الْجَوّ!

ملْيَارَاتُ الصُّحُفِ كَأَنَّهَا أَسْرَابُ الْحَمَامِ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَد..

أَوْ كَأَنَّهَا أَوْرَاقُ خَرِيفٍ تَذْرُوهَا الرِّيَاحُ فِي يَوْمٍ عَاصِف..

غَطَّتِ الصُّحُفُ عَيْنَ الشَّمْسِ وَحَجَبَتِ الْأُفُق..

كُلُّ صَحِيفَةٍ تَعْرِفُ صَاحِبَهَا بِدِقَّة!

لَا تَضِلُّ صَحِيفَةٌ طَرِيقَهَا..

وَلَا تَذْهَبُ صَحِيفَةُ فُلَانٍ إِلَى فُلَان..

إِنَّهَا مُبَرْمَجَةٌ بِقُدْرَةِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ لِتَصِلَ إِلَى يَدِ صَاحِبِهَا حَصْرًا..

بَدَأَ النَّاسُ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ تِلْقَائِيًّا..

الْكُلُّ يُرِيدُ أَنْ يَلْتَقِطَ مَصِيرَهُ قَبْلَ أَنْ يَهْبِطَ عَلَيْه..

نَظَرْتُ حَوْلِي فَرَأَيْتُ الْعَجَائِب..

رَأَيْتُ رَجُلًا بِجَانِبِي وَكَانَ فِي الدُّنْيَا جَبَّارًا عَنِيدًا..

يَمُدُّ يَدَهُ الْيُمْنَى يَرْجُو أَنْ يَأْخُذَ كِتَابَهُ بِهَا خِدَاعًا لِنَفْسِه..

وَلَكِنْ هَيْهَات!

جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ الزَّبَانِيَةُ فَلَوَتْ يَدَهُ الْيُمْنَى..

وَخَلَعَتْ يَدَهُ الْيُسْرَى مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ خَلْعًا مُؤْلِمًا..

لِيَسْتَلِمَ الْكِتَابَ بِهَا مِنْ وَرَاءِ الظَّهْر!

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِه ، فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراْ﴾..

مَا إِنْ لَمَسَ الْكِتَابُ يَدَهُ الشِّمَالَ حَتَّى اسْوَدَّ وَجْهُهُ كَأَنَّمَا عَلَيْهِ قِطَعٌ مِنَ اللَّيْل..

وَصَرَخَ صَرْخَةً سَمِعَهَا أَهْلُ الْمَوْقِفِ كُلِّهِم:

﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة ، مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾..

اِنْهَارَ الرَّجُلُ عَلَى الْأَرْضِ يَعَضُّ أَصَابِعَهُ نَدَمًا..

لَكِنَّ النَّدَمَ الْيَوْمَ سِلْعَةٌ كَاسِدَة..

ارْتَجَفْتُ..

وَسَرَتْ قُشَعْرِيرَةٌ بَارِدَةٌ فِي ظَهْرِي..

يَا رَبِّ سَلِّمْ.. يَا رَبِّ سِتْرَك.. يَا رَبِّ لَا تَفْضَحْنِي..

كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ أُرَاقِبُ صَحِيفَتِي..

كَيْفَ شَكْلُهَا؟ هَلْ هِيَ مُضِيئَةٌ أَمْ مُظْلِمَة؟

رَأَيْتُ كِتَابًا يَقْتَرِبُ مِنِّي.. يَهْبِطُ بِهُدُوءٍ وَسَكِينَة..

يُحِيطُ بِهِ هَالَةٌ مِنَ النُّور..

عَرَفْتُ أَنَّهُ كِتَابِي!

خَفَقَ قَلْبِي حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ فَمِي..

هَذِهِ لَحْظَةُ الْحَصَادِ لِخَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ سَنَةً عِشْتُهَا فِي الدُّنْيَا..

مَدَدْتُ يَدِي..

أَيُّ يَد؟

لَقَدِ انْبَسَطَتْ يَدِيَ الْيُمْنَى تِلْقَائِيًّا لِاسْتِقْبَالِه..

بَيْنَمَا بَقِيَتْ يُسْرَايَ بِجَانِبِي سَاكِنَة..

وَقَعَ الْكِتَابُ فِي كَفِّي الْأَيْمَن!

أَحْسَسْتُ بِثِقْلِهِ الْمُحَبَّبِ كَأَنَّهُ ثِقْلُ الذَّهَبِ وَالْجَوَاهِر.. لَا ثِقْلَ الْأَوْزَار..

شَعَرْتُ بِبُرُودَةِ الْيَقِينِ تَسْرِي مِنْ كَفِّي إِلَى قَلْبِي..

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه﴾..

أَنَا مِنْهُم! أَنَا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين!

اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْد.. اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْد..

لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتَمَالَكَ نَفْسِي..

فَتَحْتُ الْكِتَابَ بِأَصَابِعَ مُرْتَعِشَةٍ مِنَ الْفَرَح..

﴿يَلْقَاهُ مَنشُوراْ﴾..

نَظَرْتُ إِلَى الصَّفْحَةِ الْأُولَى..

مَاذَا وَجَدْت؟

وَجَدْتُ التَّوْحِيد..

وَجَدْتُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه) مَكْتُوبَةً بِنُورٍ يَسْطَع..

قَلَّبْتُ الصَّفَحَات..

يَا إِلَهِي! هَذَا يَوْمُ كَذَا.. وَهَذِهِ لَيْلَةُ كَذَا..

وَجَدْتُ الصَّلَوَاتِ مَكْتُوبَةً بِالتَّفْصِيل..

صَلَاةُ الْفَجْرِ فِي جَمَاعَة..

قِيَامُ اللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَام..

وَجَدْتُ الْجِهَاد!

تِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي غَبَّرْتُ فِيهَا قَدَمِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَكْتُوبَةٌ بِحُرُوفٍ حَمْرَاءَ كَلَوْنِ الدَّم..

لَكِنَّهَا تُضِيءُ كَالْمِسْك..

وَجَدْتُ الصَّدَقَات.. حَتَّى التَّمْرَةَ الَّتِي أَعْطَيْتُهَا لِطِفْلٍ جَائِع..

وَجَدْتُهَا مُسَجَّلَةً جَبَلًا مِنَ الْحَسَنَات..

وَلَكِنْ..

بَيْنَمَا أَنَا أُقَلِّبُ وَقَعَتْ عَيْنِي عَلَى صَفْحَاتٍ سَوْدَاء!

إِنَّهَا الذُّنُوب..

إِنَّهَا تِلْكَ النَّظْرَةُ الْحَرَام.. وَتِلْكَ الْكَلِمَةُ الْجَارِحَة.. وَتِلْكَ الْغَفْلَة..

ارْتَجَفَ قَلْبِي.. يَا رَبِّ هَلْ سَتُعَذِّبُنِي بِهَا؟

فَدَقَّقْتُ النَّظَرَ فِي تِلْكَ السُّطُورِ السَّوْدَاء..

فَوَجَدْتُ تَحْتَهَا عِبَارَةً مَكْتُوبَةً بِخَطٍّ رَحِيم:

عَبْدِي سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا.. وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْم..

بَلْ وَجَدْتُ بَعْضَ السَّيِّئَاتِ قَدْ قُلِبَتْ حَسَنَاتٍ بِسَبَبِ تَوْبَةٍ صَادِقَةٍ تَلَتْهَا!

﴿فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات﴾..

أَغْلَقْتُ الْكِتَابَ وَضَمَمْتُهُ إِلَى صَدْرِي بِقُوَّة..

شَعَرْتُ أَنَّنِي أَمْلِكُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة..

شَعَرْتُ بِطَاقَةٍ مِنَ الْفَرَحِ لَا يُمْكِنُ كَبْتُهَا..

أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَ الْكَوْنَ كُلَّه!

أُرِيدُ أَنْ يَرَى النَّاسُ نَجَاحِي!

تَلَفَّتُّ حَوْلِي..

رَأَيْتُ أَبِي.. رَأَيْتُ أُمِّي..

رَأَيْتُ زَوْجَتِي.. رَأَيْتُ أَبْنَائِي..

رَأَيْتُ إِخْوَتِي وَأَخَوَاتِي.. وَأَهْلِي وَأَقَارِبِي وَجِيرَانِي..

رَأَيْتُ أَصْدِقَائِي.. رَأَيْتُ النَّاسَ جَمِيعًا..

انْطَلَقْتُ أَجْرِي بَيْنَهُمْ كَالطِّفْلِ الَّذِي نَجَحَ فِي الْمَدْرَسَةِ وَعَادَ بِشَهَادَةِ التَّفَوُّق..

رَفَعْتُ كِتَابِي عَالِيًا بِيَدِيَ الْيُمْنَى وَصِرْتُ أَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِي:

﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ، إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾..

كُنْتُ خَائِفًا فِي الدُّنْيَا.. كُنْتُ أَعْمَلُ لِهَذَا الْيَوْم..

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُخَيِّبْ ظَنِّي..

الْتَفَّ حَوْلِي أَهْلِي..

وُجُوهُهُمْ مُشْرِقَة.. فَهُمْ أَيْضًا مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِين..

قَالَ لِي أَبِي وَهُوَ يَبْكِي فَرَحًا:

مُبَارَكٌ يَا بُنَيّ.. مُبَارَكٌ يَا ثَمَرَةَ فُؤَادِي.. هَذَا حَصَادُ صَبْرِك..

قَالَتْ لِي زَوْجَتِي: قَدْ أَفْلَحْتَ وَاللَّهِ.. هَنِيئًا لَك..

كُنَّا نَتَبَادَلُ التَّهَانِي فِي أَرْضِ الْمَحْشَر..

بَيْنَمَا غَيْرُنَا يَتَبَادَلُ اللَّعَنَاتِ وَاللَّوْم..

﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَة، فِي جَنَّةٍ عَالِيَة﴾..

هَذَا هُوَ الْوَعْدُ الَّذِي بَدَأَتْ بَشَائِرُهُ الْآن..


وَلَكِنْ..

هَدَأَتْ فَوْرَةُ الْفَرَحِ قَلِيلًا عِنْدَمَا سَمِعْنَا الْمُنَادِيَ يُنَادِي:

هَلُمُّوا إِلَى الْمِيزَان..

الْكِتَابُ قَدْ اسْتُلِم.. وَعَرَفْنَا النَّتِيجَة.. نَاجِحٌ أَمْ رَاسِب..

لَكِنْ بَقِيَ تَحْدِيدُ الدَّرَجَة..

بَقِيَ وَزْنُ الْأَعْمَالِ بِالدِّقَّةِ الْمُتَنَاهِيَةِ لِتَحْدِيدِ الْمَنَازِل..

فَكِتَابُ الْيَمِينِ يَعْنِي دُخُولَ الْجَنَّة..

وَلَكِنْ هَلْ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى أَمْ فِي أَدْنَى دَرَجَة؟

هَذَا مَا سَيُقَرِّرُهُ الْمِيزَان..

ذَلِكَ الْجِهَازُ الْعِمْلَاقُ الَّذِي نُصِبَ أَمَامَ الْعَرْش..

لَهُ كِفَّتَانِ عَظِيمَتَان..

كُلُّ كِفَّةٍ مِنْهُمَا لَوْ وُضِعَتْ فِيهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَوَسِعَتْهَا..

تَحَرَّكْنَا نَحْوَ الْمِيزَان..

وَأَنَا أَحْمِلُ كِتَابِي فِي يَمِينِي وَأَسْأَلُ نَفْسِي:

أَيُّ عَمَلٍ سَيَكُونُ الْأَثْقَل؟

هَلْ هُوَ الْجِهَاد.. أَمْ ذِكْرُ اللَّه.. أَمْ حُسْنُ الْخُلُق؟

كُنْتُ أَحْمِلُ كِتَابِي بِيَمِينِي وَقَدْ غَمَرَتْنِي فَرْحَةٌ عَارِمَة..

وَلَكِنْ هَلْ انْتَهَى الْأَمْرُ عِنْدَ اسْتِلَامِ الْكِتَاب؟

كَلَّا.. بَقِيَ أَهَمُّ مَوْقِفٍ فِي يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلِّه..

بَقِيَ الْعَرْضُ عَلَى اللَّه..

إِنَّ اسْتِلَامَ الْكِتَابِ هُوَ بِمَثَابَةِ إِشْعَارٍ بِالنَّجَاح..

لَكِنَّ الْمَلِكَ الْحَقَّ يُرِيدُ أَنْ يُكَلِّمَ عَبْدَهُ كِفَاحًا..

لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَان..

هَدَأَتْ أَصْوَاتُ النَّاسِ حَوْلِي..

وَاخْتَفَى ضَجِيجُ الْمَحْشَرِ مِنْ أُذُنِي..

وَسَمِعْتُ نِدَاءً بِاسْمِي..

نِدَاءً خَاصًّا لَا يَشْرَكُنِي فِيهِ أَحَد:

يَا فُلَانَ بْنَ فُلَان، هَلُمَّ لِلْعَرْضِ عَلَى رَبِّك..

ارْتَجَفَتْ أَوْصَالِي..

لَيْسَ خَوْفَ رُعْبٍ كَمَا كَانَ فِي بِدَايَةِ الْبَعْث..

بَلْ هُوَ خَوْفُ الْإِجْلَالِ وَالْحَيَاءِ وَالشَّوْق..

مَشَيْتُ وَحْدِي..

انْفَصَلْتُ عَنْ أَهْلِي وَعَنْ زَوْجَتِي وَعَنْ أَصْحَابِي..

تَقَدَّمْتُ نَحْوَ النُّورِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَغْشَى الْمَكَان..

وَقَفْتُ فِي مَكَانٍ لَا يَرَانِي فِيهِ أَحَدٌ إِلَّا اللَّه..

وَهُنَا أَسْدَلَ اللَّهُ عَلَيَّ سِتْرَه..

وَضَعَ عَلَيَّ كَنَفَه.. أَيْ: سَتَرَنِي عَنْ أَعْيُنِ الْخَلَائِق..

فَلَا يَسْمَعُونَ مَا يَدُورُ بَيْنَنَا..

وَلَا يَرَوْنَ ذُنُوبِي الَّتِي سَتُعْرَضُ الْآن..

إِنَّهَا النَّجْوَى.. حَدِيثُ السِّرِّ بَيْنَ الْمُحِبِّ وَحَبِيبِه..

رَفَعْتُ رَأْسِي..

لَا أَرَى كَيْفِيَّةَ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ فَالْأَبْصَارُ لَا تُدْرِكُه..

وَلَكِنِّي أَشْعُرُ بِالْهَيْبَةِ الَّتِي تَصْهَرُ الْجِبَال..

وَسَمِعْتُ صَوْتَ الْحَقِّ جَلَّ جَلَالُهُ يُخَاطِبُنِي مُبَاشَرَة..

صَوْتًا لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء.. يَمْلَأُ كَيَانِي وَيَعْرِفُ خَبَايَا نَفْسِي..

بَدَأَ التَّقْرِير..

لَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ حَسَنَاتِي أَوَّلًا.. بَلْ بَدَأَ بِمَا كُنْتُ أَخَافُه..

قَالَ لِي:

يَا عَبْدِي أَتَذْكُرُ ذَنْبَ كَذَا يَوْمَ كَذَا؟..

انْخَلَعَ قَلْبِي!

ذَكَّرَنِي بِذَنْبٍ كُنْتُ قَدْ نَسِيتُهُ تَمَامًا لِقِدَمِه.. لَكِنَّهُ مُحْصًى فِي الْكِتَاب..

قُلْتُ بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ مُطَأْطِئَ الرَّأْس:

نَعَمْ يَا رَبِّ.. أَذْكُر..

قَال: أَتَذْكُرُ يَوْمَ نَظَرْتَ إِلَى كَذَا.. وَيَوْمَ تَكَلَّمْتَ فِي عِرْضِ فُلَان؟..

قُلْت: نَعَمْ يَا رَبِّ.. أَعْتَرِف..

قَال: أَتَذْكُرُ يَوْمَ قَصَّرْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلَّيْتَهَا بِلَا خُشُوع؟..

قُلْت: نَعَمْ يَا رَبّ.. نَعَمْ يَا رَبّ..

أَخَذَ يُقَرِّرُنِي بِذُنُوبِي وَاحِدًا وَاحِدًا..

وَلَمْ يُنَاقِشْنِي الْحِسَاب.. أَيْ: لَمْ يَسْأَلْنِي لِمَاذَا فَعَلْت؟

بَلْ كَانَ يَسْأَلُنِي: هَلْ فَعَلْت؟

وَلَوْ نَاقَشَنِي لَعَذَّبَنِي.. فَمَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّب..

وَلَكِنَّهُ كَانَ عَرْضًا رَحِيمًا..

اسْتَمَرَّ الِاعْتِرَافُ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي قَدْ هَلَكْت..

قُلْتُ فِي نَفْسِي:

لَا مَفَرَّ مِنَ النَّار.. هَذِهِ الذُّنُوبُ كَفِيلَةٌ بِإِغْرَاقِي..

كُنْتُ أَتَصَبَّبُ عَرَقًا مِنَ الْحَيَاء..

وَوَدِدْتُ لَوْ أَنَّ الْأَرْضَ تَبْتَلِعُنِي..

وَلَا أَقِفُ هَذَا الْمَوْقِفَ الْمُخْجِلَ أَمَامَ الْمُنْعِمِ الْمُتَفَضِّل..

وَفِي قِمَّةِ انْكِسَارِي..

جَاءَتِ الْكَلِمَةُ الَّتِي انْتَظَرَتْهَا الرُّوح..

الْكَلِمَةُ الَّتِي تُسَاوِي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا..

قَالَ اللَّهُ لِي بِنَبْرَةِ الرَّحْمَةِ وَالْوَدُود:

يَا عَبْدِي، سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا.. وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْم..

يَا اَللَّه!

انْهَمَرَتْ دُمُوعِي كَالْمَطَر..

أَغْفِرُهَا لَك؟! كُلَّ هَذِهِ الذُّنُوب؟!

لَيْسَ فَقَطْ مَغْفِرَةً بَلْ سَتْرًا!

لَمْ يَفْضَحْنِي أَمَامَ الْمَلَأ..

وَلَمْ يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوِ الْمَلَائِكَة..

بَقِيَتْ سِرًّا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَى الْأَبَد..

ثُمَّ قَالَ لِي:

يَا عَبْدِي اُنْظُرْ إِلَى يَمِينِك..

فَنَظَرْت..

فَرَأَيْتُ جِبَالًا مِنَ الْحَسَنَات..

رَأَيْتُ جِهَادِي.. وَصَبْرِي.. وَقُرْآنِي.. وَبِرِّي بِوَالِدَيَّ..

وَغَيْرَهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَة..

كُلُّ ذَلِكَ حَاضِر.. لَمْ يَضِعْ عِنْدَ اللَّهِ مِثْقَالُ ذَرَّة..

شَعَرْتُ أَنَّ رُوحِي تَكَادُ تَطِيرُ مِنَ الْخِفَّة..

انْتَهَى الْعَرْضُ وَانْتَهَتِ النَّجْوَى..

رُفِعَ السِّتْرُ عَنِّي..

فَعُدْتُ إِلَى النَّاسِ وَوَجْهي يَتَلَأْلَأُ نُورًا أَشَدَّ مِنْ قَبْل..

عَرَفَ الْجَمِيعُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ مَجْبُورَ الْخَاطِر..

وَالْآنَ بَقِيَ التَّصْدِيقُ الْعَلَنِيّ..

يَجِبُ أَنْ يَرَى الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ مِقْدَارَ هَذِهِ الْحَسَنَاتِ فِي الْمِيزَان..

تَوَجَّهْتُ نَحْوَ الْمِيزَانِ الْعِمْلَاق..

ذَلِكَ الْجِهَازُ الدَّقِيقُ الَّذِي لَهُ كِفَّتَانِ مَرْئِيَّتَانِ وَلِسَانٌ مُؤَشِّر..

وُضِعَتْ سِجِلَّاتِي فِي كِفَّةِ الْمِيزَان..

فَرَجَحَتْ قَلِيلًا لِثِقَلِ بَعْضِ الْغَفَلَات..

خِفْت..

وَلَكِنْ سُرْعَانَ مَا جَاءَتِ الْبِطَاقَة..

بِطَاقَةٌ صَغِيرَةٌ مَكْتُوبٌ فِيهَا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه..

إِنَّهُ التَّوْحِيدُ الْخَالِص.. الَّذِي عِشْتُ عَلَيْهِ وَمِتُّ عَلَيْه..

وُضِعَتِ الْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةِ الْحَسَنَات..

فَطَاشَتِ السِّجِلَّات!

نَزَلَتْ كِفَّةُ الْحَسَنَاتِ بِقُوَّةٍ حَتَّى كَادَتْ تَلْمَسُ الْأَرْضَ مِنْ ثِقَلِهَا..

وَارْتَفَعَتْ كِفَّةُ السَّيِّئَاتِ كَأَنَّهَا رِيشَة..

ثُمَّ جِيءَ بِحُسْنِ الْخُلُق..

تَجَسَّدَتْ أَخْلَاقِي..

ابْتِسَامَتِي فِي وُجُوهِ النَّاس.. كَظْمِي لِلْغَيْظ.. صَبْرِي عَلَى الْأَذَى..

وُضِعَتْ فِي الْمِيزَان.. فَزَادَتْهُ ثِقَلًا..

مَا مِنْ شَيْءٍ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ حُسْنِ الْخُلُق..

ثُمَّ جِيءَ بِالْجِهَاد..

غُبَارُ الْمَعَارِك.. دِمَاءُ الْجِرَاح.. السَّهَرُ فِي الثُّغُور..

وُضِعَ كُلُّ ذَلِك.. فَرَجَحَتْ كِفَّتِي رُجْحَانًا عَظِيمًا..

هَتَفَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِالْمِيزَانِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ لِيُسْمِعَ الْخَلَائِق:

سَعِدَ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَداً..

سَمِعْتُ اسْمِي يَتَرَدَّدُ فِي السَّاحَة..

هَذَا هُوَ إِعْلَانُ الْفَوْزِ الرَّسْمِيّ..

لَمْ يَبْقَ بَيْنِي وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلَّا عَقَبَةٌ وَاحِدَةٌ أَخِيرَة..

وَلَكِنَّهَا الْعَقَبَةُ الْكَؤُود..

إِنَّهُ الصِّرَاط..


الْجِسْرُ الْمَمْدُودُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّم..

أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْف..

وَتَحْتَهُ النَّارُ تَزْفُرُ وَتَتَغَيَّظ..

الظَّلَامُ يُخَيِّمُ عَلَى الْمَكَانِ الْآن..

فَقَدْ طُمِسَتِ الْأَنْوَارُ تَمْهِيدًا لِلْمُرُور..

لَا يَبْقَى إِلَّا النُّورُ الذَّاتِيُّ الَّذِي يَحْمِلُهُ كُلُّ عَبْد..

كَيْفَ سَأَعْبُر؟

وَهَلْ سَيَكْفِي نُورِي لِأَرَى مَوْضِعَ قَدَمِي عَلَى هَذَا الْخَيْطِ الرَّفِيعِ فَوْقَ الْجَحِيم؟..

انْتَهَى الْمِيزَان.. وَتَمَّ إِعْلَانُ النَّتَائِج..

عَرَفَ أَهْلُ السَّعَادَةِ سَعَادَتَهُمْ.. وَأَيْقَنَ أَهْلُ الشَّقَاءِ شَقَاءَهُم..

وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بَعْد.. وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ النَّارَ بَعْد..

لَا يَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُسْتَقَرِّ الْأَخِيرِ وَادٍ سَحِيقٌ يَجِبُ قَطْعُه..

إِنَّهُ وَادِي جَهَنَّمَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّه..

وَفَوْقَ هَذَا الْوَادِي نُصِبَ الْجِسْرُ الْمُرْعِبُ الَّذِي لَا عُبُورَ إِلَّا عَلَيْه..

الصِّرَاط..

تَحَرَّكَتِ الْجُمُوعُ الْغَفِيرَةُ نَحْوَ الصِّرَاط..

وَفَجْأَةً حَدَثَ تَغَيُّرٌ كَوْنِيٌّ جَدِيد..

بَعْدَ أَنْ كَانَتِ الْأَرْضُ مُشْرِقَةً بِنُورِ رَبِّهَا وَقْتَ الْحِسَاب..

جَاءَ الْأَمْرُ بِإِطْفَاءِ الْأَنْوَار..

اخْتَفَى نُورُ الْعَرْشِ عَنِ الْأَبْصَار.. حَجَبَهُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ الِاخْتِبَار..

وَعَادَ الْكَوْنُ إِلَى ظُلْمَةٍ أَشَدَّ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ الْبَهِيم..

ظُلْمَةٌ دُونَ الْجِسْر..

تَوَقَّفَ النَّاسُ فِي أَمَاكِنِهِمْ مَذْعُورِين..

لَا أَحَدَ يَرَى يَدَه.. لَا أَحَدَ يَرَى قَدَمَه.. لَا أَحَدَ يَرَى مَنْ بِجَانِبِه..

أَنْتَ الْآنَ وَاقِفٌ عَلَى حَافَةِ جَهَنَّمَ فِي ظَلَامٍ دَامِس..

وَالْمَطْلُوبُ مِنْكَ أَنْ تَمْشِيَ عَلَى شَعْرَةٍ دُونَ أَنْ تَسْقُط!

كَيْف؟ هَذَا مُسْتَحِيلٌ بِمَقَايِيسِ الْبَشَر..

وَهُنَا جَاءَ وَقْتُ تَوْزِيعِ الْأَنْوَار..

فِي الدُّنْيَا كُنَّا نَسْتَضِيءُ بِالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْمَصَابِيح..

يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِر..

أَمَّا هُنَا فَلَا نُورَ إِلَّا نُورُ الْعَمَل..

بَدَأَ الْمَلَائِكَةُ بِأَمْرِ اللَّهِ يَقْسِمُونَ الْأَنْوَارَ عَلَى حَسَبِ الْأَعْمَال..

كُنْتُ وَاقِفًا أَتَرَقَّب: يَا رَبِّ أَعْطِنِي نُورِي..

فَجْأَةً انْبَثَقَ النُّورُ مِنْ جَسَدِي!

خَرَجَ مِنْ إِبْهَامِ قَدَمِي وَمِنْ يَدِي وَمِنْ بَيْنِ يَدَيّ..

﴿يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾..

نَظَرْتُ حَوْلِي لِأَرَى أَحْجَامَ الْأَنْوَارِ فَإِذَا هِيَ مُتَفَاوِتَةٌ تَفَاوُتًا عَظِيمًا..

رَأَيْتُ رَجُلًا وَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ الْمُقَرَّبِينَ نُورُهُ كَالْجَبَلِ الْعَظِيم..

يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيْهِ يُضِيءُ لَهُ مَسَاحَاتٍ شَاسِعَة..

وَرَأَيْتُ آخَرَ نُورُهُ كَالنَّخْلَة..

وَرَأَيْتُ آخَرَ نُورُهُ كَالرَّجُلِ الْوَاقِف..

وَرَأَيْتُ رَجُلًا مِسْكِينًا كَانَ مُخَلِّطًا فِي الدُّنْيَا.. نُورُهُ عَلَى إِبْهَامِ قَدَمِهِ فَقَط!

يُضِيءُ مَرَّةً فَيَمْشِي خُطْوَة.. وَيَنْطَفِئُ مَرَّةً فَيَقِفُ مَرْعُوبًا..

تَخَيَّلْ حَالَهُ وَهُوَ فَوْقَ جَهَنَّم!

أَمَّا أَنَا فَقَدْ نَظَرْتُ إِلَى نُورِي..

الْحَمْدُ لِلَّه.. لَمْ يَكُنْ نُورِي صَغِيرًا..

لَقَدْ كَانَ نُورًا سَاطِعًا قَوِيًّا يَكْشِفُ لِيَ الطَّرِيقَ بِمَسَافَةٍ كَافِيَة..

عَرَفْتُ أَنَّ هَذَا النُّورَ هُوَ تَجَسُّدٌ لِتِلْكَ الْأَيَّامِ الَّتِي مَشَيْتُ فِيهَا فِي الظُّلُمَاتِ إِلَى الْمَسَاجِد..

قَالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَة»..

هَا هُوَ النُّورُ التَّامُّ بَيْنَ يَدَيَّ الْآن..

وَهُوَ تَجَسُّدٌ لِقِرَاءَةِ سُورَةِ الْكَهْفِ وَلِلصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ وَلِلْجِهَاد..

بَدَأْنَا نَتَحَرَّكُ نَحْوَ الْجِسْر..

الْمُؤْمِنُونَ يَمْشُونَ فِي أَنْوَارِهِمْ مُطْمَئِنِّين..

وَالْكُفَّار؟

الْكُفَّارُ بَقُوا فِي الظَّلَامِ الْمُطْبِقِ لَمْ يُعْطَوْا بَصِيصَ نُور..

وَقَعُوا فِي الْحُفَرِ وَتَخَبَّطُوا..

ثُمَّ سِيقُوا إِلَى النَّارِ زُمَرًا قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الصِّرَاطِ أَصْلًا..

لَكِنْ هُنَاكَ فِئَةٌ ثَالِثَة..

فِئَةٌ مَاكِرَةٌ كَانَتْ تَعِيشُ بَيْنَنَا فِي الدُّنْيَا..

تُصَلِّي مَعَنَا فِي الصُّفُوف.. وَتَصُومُ مَعَنَا..

لَكِنَّ قُلُوبَهَا كَانَتْ خَاوِيَةً مِنَ الْإِيمَان..

إِنَّهُمُ الْمُنَافِقُون..

هَؤُلَاءِ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي الْبِدَايَةِ نُورًا ظَاهِرًا خِدَاعًا لَهُمْ..

كَمَا خَادَعُوا اللَّهَ فِي الدُّنْيَا..

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾..

فَمَشَوْا مَعَنَا جُزْءًا مِنَ الطَّرِيق..

كَانُوا يَسِيرُونَ بِجَانِبِي.. أَرَى وُجُوهَهُمُ الَّتِي أَعْرِفُهَا فِي الدُّنْيَا..

كُنْتُ أَتَعَجَّب.. فُلَان؟!

أَلَيْسَ هَذَا الَّذِي كَانَ يُثَبِّطُ الْهِمَمَ فِي الْجِهَاد؟ كَيْفَ مَعَهُ نُور؟

وَفَجْأَة..

وَنَحْنُ نَقْتَرِبُ مِنْ حَافَّةِ الْجِسْرِ تَمَامًا..

انْطَفَأَتْ أَنْوَارُ الْمُنَافِقِينَ دُفْعَةً وَاحِدَة!

صَارُوا فِي ظَلَامٍ دَامِس..

بَيْنَمَا بَقِيَ نُورِي وَنُورُ الْمُؤْمِنِينَ سَاطِعًا..

ضَجَّ الْمَكَانُ بِصُرَاخِهِمْ وَعَوِيلِهِم..

بَدَأُوا يَتَخَبَّطُونَ لَا يَعْرِفُونَ أَيْنَ يَذْهَبُون.. وَالنَّارُ أَمَامَهُم..

رَأَوْنَا نَمْشِي مُبْتَعِدِينَ عَنْهُمْ فَنَادَوْنَا بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِم..

بِنَبْرَةِ التَّوَسُّلِ وَالذُّلّ:

﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾..

أَيْ انْتَظِرُونَا لَا تُسْرِعُوا.. دَعُونَا نَمْشِي فِي ظِلِّ نُورِكُمْ..

أَلَسْنَا كُنَّا مَعَكُمْ؟ أَلَمْ نَكُنْ نُصَلِّي مَعَكُم؟

الْتَفَتُّ إِلَيْهِمْ..

نَظَرْتُ إِلَى وُجُوهِهِمُ السَّوْدَاءِ الْمُظْلِمَة..

هَلْ أَحِنُّ عَلَيْهِم؟

لَا، لَقَدْ انْتَهَى زَمَنُ الْمُجَامَلَات..

هَذَا نُورُ عَمَلِي.. وَلَنْ أُعْطِيَهُ لِغَيْرِي..

فَجَاءَهُمُ الرَّدُّ مِنَ الْمُؤْمِنِين.. أَوْ مِنَ الْمَلَائِكَة.. فِيهِ تَهَكُّمٌ وَأَلَم:

﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراْ﴾..

أَيْ: ارْجِعُوا إِلَى الدُّنْيَا إِنِ اسْتَطَعْتُمْ فَحَصِّلُوا الْأَعْمَالَ هُنَاك..

أَمَّا الْيَوْمَ فَلَا بَيْعَ وَلَا شِرَاءَ لِلْأَنْوَار..

وَلِكَيْ يَنْقَطِعَ الْأَمَلُ تَمَامًا..

ضُرِبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ بِسُور..

جِدَارٌ عَظِيمٌ ارْتَفَعَ فَجْأَةً لِيَفْصِلَ أَهْلَ النُّورِ عَنْ أَهْلِ الظَّلَام..

﴿لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَة﴾ مِنْ جِهَتِنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِين..

﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَاب﴾ مِنْ جِهَةِ الْمُنَافِقِين..

انْقَطَعَ صَوْتُهُمْ عَنَّا وَتُرِكُوا لِمَصِيرِهِمُ الْأَسْوَد..

وَقَفْتُ أَنَا عَلَى رَأْسِ الْجِسْر..

نَظَرْتُ إِلَى الْأَمَام..

فَرَأَيْتُ الصِّرَاطَ مَمْدُودًا كَالْخَيْطِ الرَّفِيعِ فَوْقَ جَهَنَّم..

أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْف..

وَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ تَحْتَهُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً تَزْفُرُ وَتَغْلِي..

تَكَادُ تَتَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظ..

وَرَأَيْتُ عَلَى جَانِبَيِ الصِّرَاطِ كَلَالِيبَ عِمْلَاقَة..

كَأَشْوَاكِ السَّعْدَان.. لَكِنَّهَا عَظِيمَةٌ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا إِلَّا اللَّه..

هَذِهِ الْكَلَالِيبُ مَأْمُورَة.. تَلْتَقِطُ مَنْ أُمِرَتْ بِالْتِقَاطِه..

فَتَخْطِفُهُ وَتَرْمِيهِ فِي الْقَعْر..

ارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي..

حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ يَخَافُون..

لَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسَ الرُّسُلِ يَقُولُون:

«اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّم.. اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّم»..

نَظَرْتُ إِلَى نُورِي مَرَّةً أُخْرَى فَخِفْتُ أَنْ يَنْطَفِئَ كَمَا انْطَفَأَ نُورُ الْمُنَافِقِين..

فَرَفَعْتُ يَدِي بِالدُّعَاءِ الَّذِي أَلْهَمَنِي اللَّهُ إِيَّاهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَة:

﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾..

يَا رَبِّ لَا تَقْطَعْ بِيَ الطَّرِيق.. يَا رَبِّ أَوْصِلْنِي..

جَاءَ دَوْرِي لِلْعُبُور..

وَضَعْتُ قَدَمِيَ الْيُمْنَى عَلَى بِدَايَةِ الصِّرَاط..

أَحْسَسْتُ بِحِدَّتِه.. وَلَكِنَّ قَدَمِي لَمْ تُجْرَح!

لِمَاذَا؟

لِأَنَّ النُّورَ كَانَ بِمَثَابَةِ الْوِسَادَةِ أَوْ النَّعْلِ الْوَاقِي..

الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ تَحْمِي الْأَقْدَامَ مِنَ الِانْزِلَاقِ وَمِنَ الْجُرْح..

نَظَرْتُ إِلَى الْأَمَام.. الطَّرِيقُ طَوِيلٌ وَالنَّارُ تَحْتِي تَهْدِر..

سَمِعْتُهَا تُنَادِي الْمُؤْمِنِينَ وَهُمْ يَمُرُّونَ فَوْقَهَا:

«جُزْ يَا مُؤْمِن.. فَإِنَّ نُورَكَ قَدْ أَطْفَأَ لَهَبِي!»..

يَا لَلْعَظَمَة!

نُورُ الْإِيمَانِ أَقْوَى مِنْ نَارِ جَهَنَّم..

اسْتَجْمَعْتُ قِوَايَ وَانْطَلَقْت..

وَضَعْتُ قَدَمِيَ الْيُمْنَى عَلَى بِدَايَةِ الصِّرَاط..

وَقُلْتُ بِقَلْبٍ مُرْتَجِف: "بِسْمِ اللَّه"..

فَإِذَا بِي أَشْعُرُ بِقُوَّةٍ هَائِلَةٍ تَحْمِلُنِي..

لَمْ أَكُنْ أَمْشِي مَشْيَ الْعَاجِز..

بَلْ انْطَلَقْتُ كَالْجَوَادِ الْمُسْرِع..

النُّورُ أَمَامِي يَشُقُّ الظَّلَامَ شَقًّا..

وَعَنْ يَمِينِي مَلَائِكَةٌ يَدْعُون..

وَعَنْ شِمَالِي مَلَائِكَةٌ يَلْهَجُون:

«اللَّهُمَّ سَلِّمْ.. اللَّهُمَّ سَلِّم»..

وَرَأَيْتُ خِلالَ ذَلِكَ الْجَرْيِ الْعَجِيب..

أَشْبَاحًا لِمُؤْمِنِينَ آخَرِينَ حَوْلِي..

مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِف..

وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمُرُّ مَرَّ الرِّيح..

وَلَكِنْ رَأَيْتُ مَنْظَرًا خَلَعَ قَلْبِي..

رَأَيْتُ أَخًا لِي مِنَ الْمُؤْمِنِينَ تَعَثَّرَتْ بِهِ قَدَمُه..

بِسَبَبِ ذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا تَوْبَةً نَصُوحًا فِي الدُّنْيَا..

ارْتَفَعَ إِلَيْهِ كُلَّابٌ عَظِيمٌ مِنْ كَلَالِيبِ جَهَنَّم..

خَطَفَهُ مِنْ سَاقِهِ خَطْفَةَ الْعُقَاب..

صَرَخَ الرَّجُلُ مِنَ الْأَلَمِ وَالرُّعْب..

نَهَشَتِ الْكَلَالِيبُ لَحْمَهُ وَخَدَشَتْ جِلْدَه..

كَادَ أَنْ يَهْوِيَ فِي الْقَعْرِ لَوْلَا رَحْمَةُ اللَّه..

ثُمَّ أَدْرَكَهُ بَاقِي عَمَلِهِ الصَّالِحِ فَتَعَلَّقَ بِه..

تَمَسَّكَ بِبَقِيَّةِ نُورِهِ وَقَامَ يَتَرَنَّح..

سَارَ حَبْوًا وَزَحْفًا وَالدِّمَاءُ تَسِيلُ مِنْه..

هُوَ نَاجٍ.. نَعَمْ.. وَلَكِنَّهُ نَاجٍ مَخْدُوش..

يَدْفَعُ ثَمَنَ التَّهَاوُنِ قَبْلَ الْوُصُول..

أَمَّا أَنَا فَقَدْ ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمِي..

كُنْتُ أَعْدُو وَقَلْبِي يَسْبِقُ جَسَدِي..

حَتَّى لَاحَتْ لِي أَرْضُ الْأَمَان..

فَقَفَزْتُ قَفْزَةَ الْفَائِز..

وَوَطِئَتْ قَدَمَايَ أَرْضًا بَارِدَةً طَيِّبَةَ الرِّيح..

إِنَّهَا الْقَنْطَرَة..

وَمَا إِنْ تَأَكَّدْتُ أَنَّنِي صِرْتُ فِي مَأْمَنٍ مِنَ اللَّهَب..

لَمْ تَتَمَالِكْ سَاقَايَ حَمْلَ جَسَدِي مِنَ الْفَرَحِ وَالْإِجْلَال..

فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ سَجْدَةَ الشُّكْر..

بَكَيْتُ وَأَنَا مُمَرِّغٌ وَجْهِي فِي تُرَابِ النَّجَاة..

بُكَاءَ مَنْ كُتِبَتْ لَهُ حَيَاةٌ جَدِيدَة.. بَعْدَ أَنْ رَأَى الْعَذَابَ بِعَيْنَيْه..

وَقُلْتُ وَدُمُوعِي تَسِيلُ عَلَى وَجْنَتَيْ:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ بَعْدَ أَنْ أَرَانِيكِ..

لَقَدْ أَعْطَانِيَ اللَّهُ مَا لَمْ يُعْطِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين..


نَهَضْتُ مِنْ سُجُودِي بَعْدَ أَنْ عَبَرْتُ الصِّرَاط..

وَنَفَضْتُ عَنْ جَبْهَتِي غُبَارَ الْخَوْفِ الْأَبَدِيّ..

نَظَرْتُ خَلْفِي فَرَأَيْتُ جَهَنَّمَ قَدْ بَقِيَتْ وَرَاءَ ظَهْرِي..

كَقِطْعَةِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ تَمَّ طَيُّهَا إِلَى الْأَبَد..

لَنْ أَعُودَ إِلَيْهَا بَعْدَ الآن.. ولَنْ أَسْمَعَ حَسِيسَهَا.. ولَنْ أَرْتَعِبَ مِنْ زَفِيرِهَا..

أَنَا الْآنَ فِي بَاحَةِ الْأَمَان..

تَقَدَّمْتُ مَعَ النَّاجِينَ نَحْوَ الْقَنْطَرَة..

وَالْقَنْطَرَةُ جِسْرٌ صَغِير.. أَوْ سَاحَةٌ وَاسِعَةٌ مُمَهَّدَة..

تَقَعُ بَيْنَ الصِّرَاطِ وَبَيْنَ أَبْوَابِ الْجَنَّة..

الْجَوُّ هُنَا مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَنْ أَرْضِ الْمَحْشَر..

لَا تُوجَدُ شَمْسٌ حَارِقَة.. وَلَا ظَلَامٌ دَامِس..

بَلْ نُورٌ لَطِيف.. وَنَسِيمٌ عَلِيلٌ يَحْمِلُ رَائِحَةَ الرَّيْحَان..

وَلَكِنْ لَاحَظْتُ شَيْئًا غَرِيبًا..

النَّاسُ هُنَا يَتَوَقَّفُون..

لَا يَجْرُونَ إِلَى الْجَنَّةِ مُبَاشَرَةً رَغْمَ أَنَّ أَبْوَابَهَا تَلُوحُ فِي الْأُفُق..

لِمَاذَا؟

لِأَنَّ هُنَاكَ حَاجِزًا شَفَّافًا يَمْنَعُ الْمُرُور..

إِنَّهُ حَاجِزُ تَصْفِيَةِ الْقُلُوب..

الْجَنَّةُ دَارُ السَّلَام..

وَلَا يَدْخُلُهَا إِلَّا مَنْ كَانَ قَلْبُهُ سَلِيمًا خَالِيًا مِنْ أَيِّ شَائِبَةِ غِلٍّ أَوْ حِقْدٍ أَوْ عِتَابٍ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِن..

وَأَنَا وَاقِفٌ أَتَأَمَّل.. شَعَرْتُ بِانْقِبَاضَةٍ خَفِيفَةٍ فِي صَدْرِي..

نَظَرْتُ فَإِذَا بِرَجُلٍ يَقِفُ عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ مِنِّي..

عَرَفْتُهُ فَوْرًا!

إِنَّهُ فُلَان.. جَارِي.. أَوْ رُبَّمَا قَرِيبِي أَوْ شَرِيكِي فِي الدُّنْيَا..

كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ خُصُومَة..

كَلِمَاتٌ جَارِحَةٌ قِيلَتْ فِي لَحْظَةِ غَضَب..

حَقٌّ مَالِيٌّ بَسِيطٌ تَنَازَعْنَا عَلَيْه..

قَطِيعَةٌ دَامَتْ سَنَوَات..

صَحِيحٌ أَنَّنَا صَلَّيْنَا وَصُمْنَا وَلِذَلِكَ نَجَوْنَا مِنَ النَّار..

لَكِنَّ هَذَا الْخَدْشَ فِي الْعَلَاقَةِ لَمْ يَلْتَئِمْ تَمَامًا فِي الدُّنْيَا..

رَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيّ..

وَرَأَيْتُ فِي عَيْنَيْهِ نَفْسَ النَّظْرَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا..

نَظْرَةَ الْعِتَابِ وَالْأَلَم..

وَشَعَرْتُ أَنَا أَيْضًا بِشَيْءٍ فِي صَدْرِي..

بَقَايَا غَضَبٍ وَرَغْبَةٍ فِي اللَّوْم..

لِمَاذَا فَعَلَ بِي كَذَا؟ لِمَاذَا آذَانِي؟..

هَذِهِ الْمَشَاعِرُ السَّلْبِيَّةُ هِيَ الْغِلّ..

وَمُسْتَحِيلٌ أَنْ نَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَفِي قُلُوبِنَا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْه..

فَلَوْ دَخَلْنَاهَا هَكَذَا لَتَنَغَّصَ عَيْشُنَا..

وَلَصَارَتِ الْجَنَّةُ نُسْخَةً مِنَ الدُّنْيَا بِمَشَاكِلِهَا..

لِذَا حَانَ وَقْتُ الْقِصَاصِ الْوُدِّيّ..

تَقَدَّمَ إِلَيَّ وَتَقَدَّمْتُ إِلَيْه..

لَيْسَ بِسِيَاطٍ وَلَا ضَرْب.. بَلْ بِعِتَابِ الْأَحِبَّة..

وَقَفْنَا بَيْنَ يَدَيِ الْحَكَمِ الْعَدْلِ فِي هَذِهِ السَّاحَة..

قَالَ لِي: يَا أَخِي أَتَذْكُرُ يَوْمَ ظَلَمْتَنِي فِي كَذَا؟..

قُلْتُ لَه: نَعَمْ.. وَأَنْتَ أَتَذْكُرُ يَوْمَ اغْتَبْتَنِي فِي كَذَا؟..

بَدَأْنَا نَتَحَاسَبُ بِالْحَسَنَات..

كِدْتُ أُعْطِيهِ مِنْ حَسَنَاتِي.. وَكَادَ يُعْطِينِي مِنْ حَسَنَاتِه..

وَالْخَوْفُ يَتَمَلَّكُنَا..

هَلْ سَنَخْسَرُ رَصِيدَنَا وَنَحْنُ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّة؟

وَهُنَا تَدَخَّلَتِ الرَّحْمَةُ الْإِلَهِيَّةُ الْكُبْرَى..

إِنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَخَاصَمُوا هُنَا..

وَلَا يُرِيدُ لَهُمْ أَنْ يَفْقِدُوا حَسَنَاتِهِمْ بَعْدَ أَنْ نَجَوْا..

فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَاحِبِي (خَصْمِي):

يَا عَبْدِي، ارْفَعْ بَصَرَك.. وَانْظُرْ إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَك..

رَفَعَ صَاحِبِي بَصَرَهُ إِلَى الْأَعْلَى..

فَرَأَى قَصْرًا فِي الْجَنَّة!

قَصْرًا مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَة..

مَا رَأَتْ عَيْنٌ مِثْلَه.. وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَر..

حَوْلَهُ حَدَائِقُ وَأَنْهَار.. وَحُورٌ عِينٌ يَنْظُرْنَ مِنْ شُرُفَاتِه..

ذُهِلَ صَاحِبِي مِنْ جَمَالِ الْمَنْظَر..

وَنَسِيَ خُصُومَتَهُ مَعِي لِلَحْظَة..

وَقَال: يَا رَبِّ، لِمَنْ هَذَا الْقَصْر؟

لِأَيِّ نَبِيّ؟ أَوْ لِأَيِّ صِدِّيق؟ أَوْ لِأَيِّ شَهِيد؟

فَقَالَ اللَّهُ لَهُ بِلُطْف: هَذَا لِمَنْ يَمْلِكُ الثَّمَن..

قَالَ الرَّجُل: يَا رَبِّ، وَمَنْ يَمْلِكُ ثَمَنَ هَذَا؟! أَنَا عَبْدٌ فَقِيرُ الْعَمَل..

فَقَالَ اللَّه: أَنْتَ تَمْلِكُ ثَمَنَهُ الْآن..

قَال: وَمَا هُوَ يَا رَبّ؟..

قَالَ اللَّه: عَفْوُكَ عَنْ أَخِيك..

يَا اَللَّه!

الْتَفَتَ إِلَيَّ صَاحِبِي وَالدُّمُوعُ تَمْلَأُ عَيْنَيْه..

نَظَرَ إِلَيّ..

لَا نَظْرَةَ عِتَابٍ هَذِهِ الْمَرَّة.. بَلْ نَظْرَةَ حُبٍّ وَشَوْقٍ وَرَحْمَة..

قَالَ لِي: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا أَخِي..

قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَه..

وَأَنَا أَيْضًا لَمَّا رَأَيْتُ كَرَمَ اللَّهِ قُلْت:

وَأَنَا قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا أَخِي.. وَسَامَحْتُكَ فِي كُلِّ حَقٍّ لِي..

وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالتَّحْدِيد..

حَدَثَتِ الْعَمَلِيَّةُ الْجِرَاحِيَّةُ الرُّوحِيَّة..

شَعَرْتُ بِيَدِ الْقُدْرَةِ تَمْتَدُّ إِلَى أَعْمَاقِ صَدْرِي..

وَتَنْتَزِعُ شَيْئًا أَسْوَدَ لَزِجًا ثَقِيلًا..

كَانَ جَاثِمًا عَلَى قَلْبِي دُونَ أَنْ أَشْعُرَ بِثِقْلِهِ الْمُرِيعِ إِلَّا لَحْظَةَ خُرُوجِه..

إِنَّهُ الْغِلّ..

﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلّ﴾..

خَرَجَ الْحَسَد.. خَرَجَ الْكُرْه.. خَرَجَتِ الْأَنَانِيَّة.. خَرَجَ سُوءُ الظَّنّ..

وَحَلَّ مَحَلَّهَا شُعُورٌ لَا يُمْكِنُ وَصْفُهُ بِلُغَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا..

شُعُورٌ بِالنَّقَاءِ الْمُطْلَق..

قَلْبِي أَصْبَحَ أَبْيَضَ مِنَ الثَّلْج.. صَافِيًا كَالزُّجَاج..

أُحِبُّ هَذَا الرَّجُلَ حُبًّا شَدِيدًا!

كَيْفَ كُنْتُ أَكْرَهُه؟ كَيْفَ تَعَارَكْنَا؟

يَبْدُو ذَلِكَ الْآنَ سَخِيفًا جِدًّا كَمُشَاجَرَةِ أَطْفَالٍ عَلَى لُعْبَةٍ تَافِهَة..

اقْتَرَبْنَا مِنْ بَعْضِنَا وَتَعَانَقْنَا..

عِنَاقًا حَقِيقِيًّا غَسَلَ آخِرَ ذَرَّةٍ مِنَ الْجَفَاء..

وَتَحَوَّلْنَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ إِلَى:

﴿إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين﴾..

لَمْ نَعُدْ مُتَنَافِسِين.. بَلْ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِين..

وَبَعْدَ أَنْ تَمَّتِ التَّصْفِيَة..

تَغَيَّرَتْ وُجُوهُنَا..

ازْدَادَتْ جَمَالًا وَإِشْرَاقًا..

ذَهَبَ عَنْهَا غُبَارُ الْمَحْشَرِ وَإِرْهَاقُ الصِّرَاط..

أَصْبَحَتْ وُجُوهُنَا كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْر.. وَأَجْسَادُنَا تَفُوحُ مِسْكًا..

نَظَرْتُ إِلَى نَفْسِي..

طُولِي أَصْبَحَ سِتِّينَ ذِرَاعًا.. كَعَرْضِ بِنَايَةٍ شَاهِقَة..

فِي صُورَةِ أَبِي آدَم عليه السلام..

عُمْرِي عَادَ إِلَى الثَّلَاثِ وَالثَّلَاثِين.. عُمْرَ الشَّبَابِ وَالْقُوَّةِ وَالْفُتُوَّة..

لَا شَيْب.. لَا تَجَاعِيد.. لَا ضَعْف..

لَقَدْ أَصْبَحْنَا جَاهِزِينَ لِدَارِ الْخُلُود..

تَحَرَّكَتِ الْجُمُوعُ الْمُصَفَّاةُ نَحْوَ الْأَبْوَاب..

كُنَّا نَمْشِي فِي زُمْرَةٍ وَاحِدَة.. قُلُوبُنَا مِثْلَ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِد..

نَضْحَكُ وَنَتَبَادَلُ التَّهَانِي..

أَتَذْكُرُ يَا أَخِي دُنْيَانَا.. أَتَذْكُرُ تَعَبَنَا.. لَقَدْ انْتَهَى كُلُّ شَيْء..

وَصَلْنَا إِلَى السَّاحَةِ الْكُبْرَى أَمَامَ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَة..

الْأَبْوَابُ مُغْلَقَة!

لِمَاذَا؟

لِأَنَّ هُنَاكَ مَرَاسِمَ افْتِتَاحٍ يَجِبُ أَنْ تَتِمّ..

لَا بُدَّ أَنْ يَطْرُقَ الْبَابَ سَيِّدُ الْبَشَر..

لَا بُدَّ أَنْ يَأْتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِيَسْتَفْتِح..

وَقَفْنَا نَنْتَظِر.. لَكِنَّهُ انْتِظَارٌ لَذِيذ..

مَمْزُوجٌ بِرَائِحَةِ الْمِسْكِ الَّتِي تَهُبُّ مِنْ خَلْفِ الْأَسْوَار..

كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى الْبَابِ الْعِمْلَاق..

عَرْضُ الْبَابِ الْوَاحِدِ كَمَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ سَنَة..

«وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهِ يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَام»..

أَيُّ بَابٍ سَأَدْخُلُ مِنْه؟

بَابُ الصَّلَاة؟ أَمْ بَابُ الرَّيَّان؟ أَمْ بَابُ الْجِهَاد؟

بِمَا أَنَّنِي جَمَعْتُ بَيْنَهَا فِي الدُّنْيَا فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا..

كَمَا وُعِدَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه..


جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ..

تَقَدَّمَ إِلَى حَلْقَةِ الْبَابِ وَأَمْسَكَ بِهَا..

طَرَقَ الْبَاب!

صَوْتٌ اهْتَزَّتْ لَهُ قُلُوبُنَا فَرَحًا..

فَنَادَى الْخَازِنُ مِنْ دَاخِلِ الْجَنَّة:

مَنْ؟

فَقَالَ الْحَبِيب ﷺ: مُحَمَّد..

فَقَالَ الْخَازِنُ رِضْوَان: بِكَ أُمِرْتُ أَلَّا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَك..

سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَفَاتِيحِ تَدُور..

وَسَمِعْنَا صَرِيرَ الْأَبْوَابِ الْعِمْلَاقَةِ وَهِيَ تَنْفَتِحُ عَلَى مِصْرَاعَيْهَا..

وَانْدَفَعَ النُّورُ مِنْ دَاخِلِ الْجَنَّة..

نُورٌ لَيْسَ كَنُورِ الشَّمْس.. بَلْ نُورُ الْعَرْشِ وَنُورُ النَّعِيم..

وَهَبَّتْ رِيحُ الْجَنَّةِ الَّتِي مَسِيرَتُهَا خَمْسُمِائَةِ عَام..

دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ..

وَدَخَلَتْ خَلْفَهُ أُمَّتُهُ كَالسَّيْل..

وَأَنَا مَعَهُم..

وَضَعْتُ قَدَمِيَ الْيُمْنَى دَاخِلَ الْجَنَّة..

﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرَا﴾..

أَوَّلُ خُطْوَةٍ فِي دَارِ الْقَرَار..

أَوَّلُ أَنْفَاسِ الْخُلُود..

وَدَاعًا لِلْمَوْت.. وَدَاعًا لِلْمَرَض.. وَدَاعًا لِلْحُزْن..

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَن، إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور﴾..

المصدر : مدونة الشيخ زهير بن حسن حميدات

https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_25.html

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق