2025-12-07

محاصرة الذنوب

مَحَاصَرَةُ الذُّنُوبِ

خطبة الجمعة

للشيخ زهير بن حسن حميدات

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ مَنْ شَاءَ لِطَاعَتِهِ وَهَدَاهُ، وَنَصَرَ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ وَاتَّقَاهُ. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ حَقٍّ وَيَقِينٍ، وَنَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَإِمَامًا لِلسَّالِكِينَ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الحديد: 28].

أَمَّا بَعْدُ،

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

اعْلَمُوا أَنَّ الْقَلْبَ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ، وَمَوْضِعُ نَظَرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَمَزْرَعَةُ الْإِيمَانِ، وَمَنْزِلَةُ التَّقْوَى. وَهَذَا الْقَلْبُ مُحَاطٌ بِجُنْدِ الْأَعْدَاءِ، عَلَى رَأْسِهِمُ الشَّيْطَانُ الرَّجِيمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ مَكْرٍ وَكَيْدٍ لِيَفْسُدَ عَلَى الْمُسْلِمِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ.

إِنَّ أَخْطَرَ سِلَاحٍ يَمْلِكُهُ الشَّيْطَانُ لِتَحْطِيمِ حِصْنِ الْإِيمَانِ، هُوَ الذَّنْبُ، فَالذُّنُوبُ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- هِيَ طَعْنَاتٌ مُتَتَالِيَةٌ فِي جِدَارِ الْقَلْبِ، وَقَوَارِعُ مُهْلِكَةٌ لِسَعَادَةِ الرُّوحِ. لِهَذَا، كَانَ مِنْ أَجَلِّ مَا يُعْنَى بِهِ الْمُؤْمِنُ فَهْمَ حَقِيقَةِ الذَّنْبِ، وإِحْكَامَ مُحَاصَرَتِهِ، لِئَلَّا يَتَسَلَّلَ فَيَفْتِكَ بِالْيَقِينِ.

يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ مُعَالَجَةَ الذَّنْبِ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ خُطُورَتِهِ الْبَالِغَةِ عَلَى الْقَلْبِ وَالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَهَذِهِ الْخُطُورَةُ تَتَجَلَّى فِي مَسَائِلَ جَلِيلَةٍ:

🔥 أَوَّلًا: الذَّنْبُ وَزَوَالُ الْبَرَكَةِ:

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ،

إِنَّ أَوَّلَ مَا يُفْقَدُ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ هُوَ بَرَكَةُ الْأَمْرِ كُلِّهِ. فَالذَّنْبُ يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ وَحْشَةً لَا تُزِيلُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ. وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ الْعُقُوبَاتِ الْفَوْرِيَّةِ لِلذَّنْبِ:

1.   زَوَالُ بَرَكَةِ الْعِلْمِ: فَالْعِلْمُ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ، وَالْمَعْصِيَةُ ظُلْمَةٌ تُطْفِئُهُ. قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "شَكَوْتُ إِلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي، فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي، وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ، وَنُورُ اللَّهِ لَا يُؤْتَاهُ عَاصِي." فَالذَّنْبُ يَمْنَعُ الرِّزْقَ الْحِسِّيَّ وَالْمَعْنَوِيَّ.

2.   ضَعْفُ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ: كَمْ مِنْ أَمْرٍ سَهْلٍ عُقِّدَ، وَمِنْ سَبِيلٍ مُيَسَّرٍ صَارَ شَاقًّا، بِسَبَبِ ذَنْبٍ خَفِيٍّ ارْتَكَبَهُ الْعَبْدُ! فَاللَّهُ يُقَيِّضُ لِلْمُطِيعِينَ الْمُلَائِكَةَ تُلْهِمُهُمْ الرُّشْدَ، وَيَتْرُكُ الْعَاصِينَ لِوَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ.

3.   إِطْفَاءُ نُورِ الْبَصِيرَةِ: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ خَصَائِصِ الْمُؤْمِنِ أَنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهُ فُرْقَانًا، يُمَيِّزُ بِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ. فَالذُّنُوبُ تُغَشِّي الْبَصِيرَةَ، فَيَرَى الْعَاصِي الْبَاطِلَ حَقًّا، وَالشَّرَّ خَيْرًا. قَالَ اللَّهُ: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف: 5].

🖤 ثَانِيًا: الذَّنْبُ وَمَرَضُ الْقَلْبِ:

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

الْقَلْبُ -كَمَا الْجَسَدُ- يُصِيبُهُ الْمَرَضُ، وَمَرَضُهُ هُوَ الذَّنْبُ وَالْغَفْلَةُ. وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ أَمْرَاضِ الذَّنْبِ عَلَى الْقَلْبِ:

1.   الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ: الْعَاصِي يَشْعُرُ بِالْوَحْشَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَيَأْتِيهِ شَيْطَانُهُ فَيُخَوِّفُهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ. فَهُوَ دَائِمُ الْقَلَقِ، مُضْطَرِبُ النَّفْسِ، لَا يَجِدُ رَاحَةَ الطُّمَأْنِينَةِ الَّتِي يَجِدُهَا الْمُطِيعُ. قَالَ تَعَالَى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) [طه: 124].

2.   الرَّيْنُ وَالطَّبْعُ: إِنَّ الذَّنْبَ بَعْدَ الذَّنْبِ يُحْدِثُ فِي الْقَلْبِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ. فَإِذَا أَكْثَرَ الْعَبْدُ مِنْ تِلْكَ النُّكَتِ، تَرَامَى الْخَطَأُ وَتَرَاكَمَتِ السَّوَادُ، حَتَّى يَتَحَوَّلَ إِلَى رَانٍ يَطْبَعُ عَلَى الْقَلْبِ كُلِّهِ. قَالَ تَعَالَى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14]. وَإِذَا طُبِعَ عَلَى الْقَلْبِ، أُصِيبَ بِالْغَفْلَةِ الْمُهْلِكَةِ.

3.   فُقْدَانُ الْغَيْرَةِ: الذَّنْبُ يُضْعِفُ الْغَيْرَةَ عَلَى الْأَهْلِ وَالْمُجْتَمَعِ. وَكُلَّمَا تَسَاهَلَ الْعَبْدُ بِالْمَعَاصِي، قَلَّ تَأَثُّرُهُ بِرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى يَصِلَ إِلَى حَالَةٍ لَا يَرَى فِيهَا الْحَقَّ حَقًّا وَالْبَاطِلَ بَاطِلًا.

ثَالِثًا: الذَّنْبُ وَالْخَاتِمَةُ:

أَيُّهَا الْأَخْوَةُ،

لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الذَّنْبِ إِلَّا أَنَّهُ سَبَبٌ لِسُوءِ الْخَاتِمَةِ، لَكَفَى بِهِ رَادِعًا وَمُنْذِرًا. فَمِنْ أَعْظَمِ خَشْيَةِ الصَّالِحِينَ: أَنْ يَخْتِمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِسُوءٍ بَعْدَ صَلَاحٍ!

يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْمَعَاصِي خَبَايَا فِي النَّفْسِ، وَهِيَ سَبَبٌ لِأَنْ يَتَخَلَّى اللَّهُ عَنِ الْعَبْدِ عِنْدَ الْمَوْتِ. فَيَتَذَكَّرُ الْعَاصِي ذُنُوبَهُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ، فَيَغْلِبُ عَلَيْهِ سُوءُ الظَّنِّ، فَيُسَاءُ خَاتِمَتُهُ، فَتَأَمَّلُوا قَوْلَ بَعْضِ السَّلَفِ: "كَمْ مِنْ دُخُولِ الْحَمَّامِ نَسِينَاهُ وَخَرَجْنَا، وَيَأْتِي يَوْمٌ لَنْ نَنْسَى فِيهِ الدُّخُولَ وَلَنْ نَخْرُجَ مِنْهُ!"

فَالذَّنْبُ هُوَ بَرِيدُ الْكُفْرِ، وَهُوَ يُؤَدِّي إِلَى الشِّرْكِ، وَالْإِصْرَارُ عَلَيْهِ هُوَ مَظِنَّةُ الْخُسْرَانِ الْمُبِينِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ. فَلْنَحْذَرِ الْإِفْرَاطَ فِي الْكَبَائِرِ الَّتِي تُفْقِدُنَا صَفَاءَ الْيَقِينِ.

فَكُونُوا يَا عِبَادَ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ، وَاجْعَلُوا الْيَقَظَةَ الدَّائِمَةَ دِرْعَكُمْ. فَمَنْ عَظَّمَ أَمْرَ اللَّهِ، صَغُرَ فِي عَيْنِهِ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ.

وَمَا دَامَتِ الْمَعْرَكَةُ قَائِمَةً حَتَّى الْمَمَاتِ، فَلَابُدَّ لَنَا مِنْ أُسُسٍ رَاسِخَةٍ نَبْنِي عَلَيْهَا سُورَ التَّقْوَى حَوْلَ قُلُوبِنَا، لِتَكُونَ مُحَاصَرَةَ لِلذُّنُوبِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهَذِهِ الْأُسُسُ هِيَ:

🏗️ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: مَنْعُ الْأَسْبَابِ وَسَدُّ الْأَبْوَابِ (الْوِقَايَةُ):

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

لَيْسَ الْحِصْنُ الْقَوِيُّ ذَلِكَ الَّذِي يَنْتَظِرُ الْهَجْمَةَ لِيَصُدَّهَا، بَلْ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ مُجَرَّدِ الِاقْتِرَابِ مِنْ أَسْوَارِهِ. وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ:

1.   سَدُّ مَنَافِذِ الْحَوَاسِّ: إِنَّ الْقَلْبَ يَسْتَقْبِلُ الذُّنُوبَ مِنْ خِلَالِ مَنَافِذَ خَمْسَةٍ: الْبَصَرِ، وَالسَّمْعِ، وَاللِّسَانِ، وَالْيَدِ، وَالْقَدَمِ. فَمَنْ أَطْلَقَ بَصَرَهُ فِي الْحَرَامِ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ إِلَى الْفُحْشِ، وَأَطْلَقَ لِسَانَهُ بِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، فَقَدْ فَتَحَ أَبْوَابَ الْهَلَاكِ عَلَى نَفْسِهِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: "مَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ إِلَّا مِنْ إِطْلَاقِ الْبَصَرِ، وَمُخَالَطَةِ مَنْ لَا يُنْبِتُ خَيْرًا!" فَالْحَذَرُ كُلُّ الْحَذَرِ مِنْ أَنْ تَكُونَ الْجَوَارِحُ جُنُودًا لِلشَّيْطَانِ.

2.   تَرْكُ مُقَدِّمَاتِ الْفِعْلِ: الذَّنْبُ لَا يَأْتِي فَجْأَةً، بَلْ هِيَ خُطُوَاتٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) [البقرة: 168]. وَالْحَازِمُ يَقْطَعُ هَذِهِ الْخُطُوَاتِ مِنْ أَوَّلِهَا. فَإِذَا دَعَتْكَ نَفْسُكَ إِلَى مُنْكَرٍ، لَا تُعْطِهَا الْفُرْصَةَ لِلتَّسْوِيفِ أَوِ التَّرَدُّدِ، بَلِ اهْرُبْ مِنْ مَكَانِ الْفِتْنَةِ وَانْشَغِلْ بِالطَّاعَةِ الْمُضَادَّةِ.

3.   اجْتِنَابُ صُحْبَةِ السُّوءِ: إِنَّ الْجَلِيسَ الصَّالِحَ يُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَجَلِيسُ السُّوءِ يَدْعُو إِلَى الْمَعْصِيَةِ وَيُزَيِّنُهَا. فَالْقَلْبُ كَإِسْفَنْجَةٍ يَتَشَرَّبُ مِنْ جَلِيسِهِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ" (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ). وَمُصَاحَبَةُ أَهْلِ الْهَوَى تُسْقِطُ الْعَبْدَ فِي عَقَبَةِ الْكَبَائِرِ وَتُشْغِلُهُ بِالْمُبَاحَاتِ الْمُفْرِطَةِ.

🛡️ الرُّكْنُ الثَّانِي: الْعِلْمُ وَالْيَقَظَةُ (الْمُرَاقَبَةُ):

أَيُّهَا الْأَحِبَّةُ،

 لَنْ يَنْجُوَ الْقَلْبُ إِلَّا إِذَا كَانَ مُتَيَقِّظًا مُرَاقِبًا لِحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ. وَهَذَا لَا يَتِمُّ إِلَّا بِأَمْرَيْنِ:

1.   الْعِلْمُ بِحَقِّ اللَّهِ: إِنَّ الْجَهْلَ بِحَقِّ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ هُوَ أَصْلُ كُلِّ بَلِيَّةٍ. فَلَوْ عَلِمَ الْعَبْدُ يَقِينًا أَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ، وَأَنَّهُ سَائِلُهُ عَنْ كُلِّ نَظْرَةٍ وَكَلِمَةٍ، لَمَا عَصَاهُ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14]. فَإِنَّ الِاسْتِشْعَارَ بِهَذِهِ الْمُرَاقَبَةِ الْإِلَهِيَّةِ، يُغْلِقُ دُونَ الْعَبْدِ أَبْوَابَ الْفُحْشِ وَالْمُنْكَرِ.

2.   مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [الحشر: 18]. إِنَّ النَّفْسَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِـ**"سِيَاطِ الْمُحَاسَبَةِ".** فَحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى مَا مَضَى مِنْ يَوْمِكُمْ وَأَسْبُوعِكُمْ: فِيمَا صَرَفْتُمْ أَوْقَاتَكُمْ؟ وَفِيمَا أَنْفَقْتُمْ طَاقَاتِكُمْ؟ وَمَا هِيَ الْمَوَاطِنُ الَّتِي غَلَبَتْكُمْ فِيهَا الذُّنُوبُ؟ فَمَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا خَفَّ حِسَابُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ أَهْمَلَهَا شَقِيَ وَتَعِبَ.

✨ الرُّكْنُ الثَّالِثُ: تَغْذِيَةُ الْقَلْبِ وَتَعْظِيمُ الْيَقِينِ:

يَا أَهْلَ الطَّاعَةِ،

الْقَلْبُ الْقَوِيُّ هُوَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يُقَاوِمَ جُنْدَ الشَّهَوَاتِ، وَقُوَّةُ الْقَلْبِ تَتَجَلَّى فِي:

1.   الْإِكْثَارُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ: الذِّكْرُ لِلْقَلْبِ كَالْمَاءِ لِلشَّجَرَةِ، وَهُوَ الْحِصْنُ الْحَصِينُ مِنَ الشَّيْطَانِ. قَالَ تَعَالَى: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]. فَالذِّكْرُ يُطْرَدُ الْوَسْوَسَةَ، وَيُضْعِفُ النَّفْسَ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ، وَيَمْنَعُ عَنِ الْمُبَاحَاتِ الْمُفْرِطَةِ الَّتِي تُضَيِّعُ الْوَقْتَ.

2.   الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: تِلَاوَةً وَتَدَبُّرًا. إِنَّهُ غِذَاءُ الرُّوحِ وَحَيَاةُ الْقَلْبِ. فَمَنْ وَاظَبَ عَلَى الْقُرْآنِ، لَمْ تَجِدِ الذُّنُوبُ إِلَى قَلْبِهِ سَبِيلًا، لِأَنَّهُ يَرَى فِيهِ الْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، فَيَشْتَدُّ حِرْصُهُ عَلَى الطَّاعَةِ.

3.   إِيثَارُ الْفَاضِلِ عَلَى الْمَفْضُولِ: مِنْ أَعْظَمِ حِيَلِ الشَّيْطَانِ عَلَى الصَّالِحِينَ: أَنْ يُشْغِلَهُمْ بِالْعَمَلِ الْمَرْجُوحِ لِيُفَوِّتَ عَلَيْهِمُ الْأَعْظَمَ أَجْرًا. فَالْعَاقِلُ هُوَ مَنْ يَزِنُ أَعْمَالَهُ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ لِيَخْتَارَ الْأَفْضَلَ وَالْأَنْفَعَ فِي كُلِّ حَالٍ.

فَيَا عِبَادَ اللَّهِ،

 كُونُوا عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ، فَـالذَّنْبُ هَدَّامٌ، وَالْقَلْبُ ثَمِينٌ، وَالْآخِرَةُ غَالِيَةٌ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنَا بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَنَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَبَصَّرَنَا بِمَكَايِدِ عَدُوِّهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ. وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.

يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ،

 لَقَدْ تَقَدَّمَ بِنَا ذِكْرُ خُطُورَةِ الذَّنْبِ وَأُسُسِ مُحَاصَرَتِهِ، وَبَقِيَ أَنْ نَتَنَبَّهَ إِلَى أَشَدِّ مُهْلِكَاتِهِ، وَهُوَ الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ، وَنَتَعَرَّفَ عَلَى مِيزَانِ التَّوْبَةِ الَّذِي هُوَ آخِرُ مَعَاقِلِ النَّجَاةِ بَعْدَ السُّقُوطِ.

إِنَّ الْمَعْصِيَةَ -وَإِنْ صَغُرَتْ- إِذَا قُوبِلَتْ بِالْإِصْرَارِ وَالتَّسْوِيفِ، فَقَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى كَبِيرَةٍ مُهْلِكَةٍ. فَالصَّغِيرَةُ مَعَ الْإِصْرَارِ كَـقَطَرَاتِ الْمَاءِ الْمُتَتَالِيَةِ عَلَى الصَّخْرَةِ، لَا تَلْبَثُ أَنْ تُحْدِثَ فِيهَا حُفْرَةً عَمِيقَةً.

فَالْمُصِرُّ هُوَ مَنْ يَرَى الْخَطَأَ وَيَعْلَمُهُ، ثُمَّ يَعُودُ إِلَيْهِ غَيْرَ آكْتِرَاثٍ بِعَظْمَةِ الْخَالِقِ. وَالْإِصْرَارُ يُغَلِّفُ الْقَلْبَ وَيَمْنَعُهُ مِنَ النَّدَمِ الصَّادِقِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ". وَمِنْ صُوَرِ الْإِصْرَارِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْكَثِيرُونَ:

1.   الِاسْتِهَانَةُ بِالصَّغَائِرِ: أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: "هَذَا ذَنْبٌ صَغِيرٌ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ!" فَيَجْعَلُ رَحْمَةَ اللَّهِ ذَرِيعَةً لِلتَّمَادِي فِي الْمَعْصِيَةِ.

2.   التَّجَاهُرُ بِالذَّنْبِ: وَهُوَ أَنْ يُجَاهِرَ الْعَبْدُ بِذَنْبِهِ دُونَ حَيَاءٍ مِنْ اللَّهِ أَوِ النَّاسِ، وَهَذَا مِنْ أَشَدِّ الْإِصْرَارِ بَلْ هُوَ مُجَاهَرَةٌ تَدُلُّ عَلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ" (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

فَيَا مَنْ غَرَّتْهُ نَفْسُهُ، تَذَكَّرْ أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى صَغِيرَةٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلطَّرْدِ مِنَ الرَّحْمَةِ!

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

إِذَا وَقَعْتَ فِي الذَّنْبِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَيْأَسَ، بَلْ بَادِرْ إِلَى التَّوْبَةِ النَّصُوحِ. فَالتَّوْبَةُ هِيَ الْحَلُّ السَّحْرِيُّ الَّذِي يُعِيدُ الْقَلْبَ إِلَى صَفَائِهِ.

1.   النَّدَمُ الْحَقِيقِيُّ: لَيْسَ النَّدَمُ مُجَرَّدَ كَلَامٍ، بَلْ هُوَ أَلَمٌ فِي الْقَلْبِ يُحَرِّكُ الْعَبْدَ لِلْإِقْلَاعِ، وَيَجْعَلُ الذَّنْبَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَالْجَبَلِ.

2.   الْإِقْلَاعُ الْفَوْرِيُّ: التَّوْبَةُ لَا تَقْبَلُ التَّسْوِيفَ، فَأَبْوَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحَةٌ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا. فَاتْرُكِ الذَّنْبَ فِي لَحْظَتِهِ، وَلَا تَقُلْ "غَدًا أَتُوبُ"، فَالْمَوْتُ لَا يَعْرِفُ الْمَوَاعِيدَ.

3.   الْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ: الْعَزْمُ هُوَ رُوحُ التَّوْبَةِ، وَهُوَ تَعَاقُدٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ لِلْأَبَدِ.

4.   الْإِكْثَارُ مِنَ الْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ: إِنَّ الْحَسَنَاتِ لَيْسَتْ فَقَطْ لِجَمْعِ الْأَجْرِ، بَلْ لِـتَمْحِيصِ السَّيِّئَاتِ. قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) [هود: 114]. فَالصَّدَقَةُ، وَصَلَاةُ النَّافِلَةِ، وَذِكْرُ اللَّهِ، كُلُّهَا طَرْدٌ لِأَثَرِ الذَّنْبِ وَتَجْدِيدٌ لِصَفَاءِ الْقَلْبِ.

يَا عِبَادَ اللَّهِ،

 لَقَدْ بُيِّنَ لَكُمْ صِرَاعُكُمْ، وَوُضِحَتْ لَكُمْ مَكَايِدُ عَدُوِّكُمْ، فَاشْحَذُوا سُيُوفَ الْيَقِينِ، وَأَغْلِقُوا أَبْوَابَ الْهَوَى، وَحَاصِرُوا الذُّنُوبَ قَبْلَ أَنْ تُحَاصِرَكُمْ. وَاذْكُرُوا دَائِمًا: أَنَّ مَنْ نَجَا مِنْ هَذِهِ الْعَقَبَاتِ، فَقَدْ نَجَا مِنْ كُلِّ خَطَرٍ!

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ،

إِنَّنَا بَعْدَ هَذَا التَّذْكِيرِ بِعَظِيمِ خَطَرِ الذُّنُوبِ، وَبِبَلِيغِ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ، يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَعْقِدَ الْعَزْمَ الصَّادِقَ عَلَى مُفَارَقَةِ الْإِثْمِ ولُزُومِ التَّقْوَى. فَلَيْسَتِ الْعِبْرَةُ بِسَمَاعِ الْخُطَبِ، وَإِنَّمَا بِـتَطْبِيقِ الْحَقِّ.

وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَا يَجِدُ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا، فَعَلَيْهِ بِتَحْقِيقِ أَمْرَيْنِ جَلِيلَيْنِ:

🔑 أَوَّلًا: لُزُومُ الْجَمَاعَةِ وَطَلَبُ الْعَوْنِ:

·         عَوْنُ اللَّهِ: لَا يَغْتَرَّ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ، بَلْ لِيَسْتَعِنْ بِاللَّهِ دَائِمًا فِي تَرْكِ الْمَعَاصِي وَفِعْلِ الطَّاعَاتِ. كَمَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ."

·         جَمَاعَةُ الصَّالِحِينَ: الذِّئْبُ يَأْكُلُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ. وَالْمُنْفَرِدُ عَنِ الْجَمَاعَةِ الْصَّالِحَةِ أَسْهَلُ عَلَى الشَّيْطَانِ، لِأَنَّهُ يَقَعُ فِي الْوَحْشَةِ وَالْغَفْلَةِ. فَالْتَمِسُوا رِفْقَةَ الْخَيْرِ، وَتَنَاصَرُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى.

🌳 ثَانِيًا: الْإِخْلَاصُ وَالْإِحْسَانُ:

·         إِخْلَاصُ النِّيَّةِ: هَذَا هُوَ سِرُّ الْوُصُولِ، وَهُوَ الْمُنْجِي مِنَ الرِّيَاءِ وَالشِّرْكِ الْخَفِيِّ. اجْعَلْ عَمَلَكَ كُلَّهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَالْعَمَلُ بِلَا إِخْلَاصٍ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ.

·         الْإِحْسَانُ فِي الْعَمَلِ: الْإِحْسَانُ هُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. وَهَذَا الْمَقَامُ يَجْعَلُ الْعَبْدَ يَعِيشُ فِي مُرَاقَبَةٍ دَائِمَةٍ، فَيَمْنَعُهُ مِنْ الْوَقُوعِ فِي مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ وَمُبَاحَاتِ الْغَفْلَةِ.

فَيَا مَنْ حَاصَرَتْهُ ذُنُوبُهُ، لَا تَتْرُكْ سُورَ قَلْبِكَ يَتَهَدَّمُ، بَلْ بَاشِرْ بِالتَّرْمِيمِ بِالتَّوْبَةِ، وَالْبِنَاءِ بِالطَّاعَةِ، والْحِرَاسَةِ بِالْمُرَاقَبَةِ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى.

اللَّهُمَّ أَعِنَّا عَلَى مُحَاصَرَةِ ذُنُوبِنَا، وَاجْعَلْنَا مِنْ التَّوَّابِينَ الْأَوَّابِينَ.

اللَّهُمَّ نَجِّنَا مِنْ عَقَبَاتِ الشَّيْطَانِ السَّبْعِ، وَاجْعَلْنَا مِنْ الْفَائِزِينَ بِرِضَاكَ.

اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ فِينَا إِصْرَارًا عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلَا تَهَاوُنًا فِي سُنَّةٍ.

اللَّهُمَّ اهْدِ شَبَابَ الْمُسْلِمِينَ وَفَتَيَاتِهِمْ، وَطَهِّرْ قُلُوبَهُمْ، وَحَصِّنْ فُرُوجَهُمْ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عِبَادَ اللَّهِ، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق