وفاة النبي صلى الله عليه وسلم
عنوان الخطبة: وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
الخطيب: زهير بن حسن حميدات.
المسجد: عبد الرحمن بن عوف.
الدولة: فلسطين، الخليل، صوريف.
تاريخ الخطبة: 15/ربيع الأول/1424هـ (16/5/2003م).
الحمد لله، الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، ولا يُسأل في المصيبة إلا هو، ولا يرجو المكروبون المضطرون المظلومون سواه، أحمده سبحانه وأسأله أن يوفقنا إلى حمده حمد العارفين، وشكره شكر الصالحين، والرضا بقضائه رضا الأوابين المنيبين. وأُصلّي وأُسلّم صلاة وسلاماً دائمين متلازمين على سيد الأولين والآخرين وقائد الغر المحجلين إمام المتقين وحبيب رب العالمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون، يا خير أمة أخرجت للناس، في شهر ربيع الأول من كل عام تجتمع ثلاثة أحداث هي: مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهجرته إلى المدينة، ووفاته. ولا ريب أن كلاً منها كان حدثاً مباركاً في حياة المسلمين. لكن بعض المسلمين وللأسف يجعلون حدث المولد أهم الأحداث الثلاثة، بل ويعتبره بعضهم أهم أحداث السيرة النبوية قاطبة. والحق أن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم حدث مبارك، حيث أشرق النبي صلى الله عليه وسلم على الأرض بطلعته، ولكن هذا الحدث ليس له تميز عن سائر ولادات الناس لو لم يُبعث ويُرسل عليه الصلاة والسلام.
والحدث الأهم من ولادته هو هجرته صلى الله عليه وسلم التي أوجدت لنا المجتمع المسلم والدولة المسلمة التي استمرت قروناً طويلة، وقدمت للإنسانية حضارة فريدة على مرّ الزمن، ولأهمية هذا الحدث أرخ به عمر بن الخطاب والمسلمون بعده التاريخ الإسلامي.
والحدث الأهم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي وفاته، لأن وفاته ليست كوفاة سائر الناس، ولا كسائر الأنبياء، فبموته صلى الله عليه وسلم انقطعت النبوات، وانقطع خبر السماء، ووحي الله عن الأرض.
أيها المسلمون، يا أحباب محمد ، في اليوم الثامن من ذي الحجة نزل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بمنى فخطب في مائة وأربعة وأربعين ألفا من المسلمين، في حجة الوداع، قال فيها: ((أيها الناس، اسمعوا قولي؛ فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا.. إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ)).
((أيها الناس، إنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم)).
((وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ عليه الصلاة والسلام وهو يشير بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ اللَّهُمَّ اشْهَدْ)).
ولما فرغ من خطبته نزل عليه قول الله تعالى: {ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً}، وعندما سمعها عمر رضي الله عنه بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: إنه ليس بعد الكمال إلا النقصان.
ثم خرج ليلة مع غلامه أبي مويهبة إلى البقيع فاستغفر لهم وقال: ((يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، وخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي عز وجل والجنة، فقال أبو مويهبة: بأبي وأمي فخذ مفاتيح الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي عز وجل والجنة)).
وفي يوم الاثنين آخر أيام شهر صفر شهد عليه الصلاة والسلام جنازة في البقيع، فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه واشتدت حرارته، فدخل على عائشة رضي الله عنها، فقالت: وارأساه! فقال النبي : ((بل أنا وارأساه، وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك))، فقالت عائشة: لكأني بك _والله_ لو فعلت ذلك لرجعت إلى بيتي فعرّست فيه ببعض نسائك، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي يوم الأربعاء اتقدت حرارة العلة في بدنه، فاشتد به الوجع، ثم أحس بخفة فدخل المسجد وهو معصوب الرأس حتى جلس على المنبر. خطب الناس فقال: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)). وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد))، ثم قال: ((من كنت جَلَدْتُ له ظهرًا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا فهذا عرضي فليستقد منه)).
ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع فجلس على المنبر، ثم قال: ((إن عبدًا خيره الله أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده، فاختار ما عنده))، فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا.
وفي يوم الخميس أوصى عليه الصلاة والسلام بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب، وأوصى بإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزهم.
ومع ما كان عليه من شدة المرض إلا أنه كان يصلي بالناس جميع الصلوات، فصلى بالناس صلاة المغرب من يوم الخميس، وعند العشاء زاد ثقل المرض، فلم يستطع الخروج إلى المسجد.
تقول عائشة رضي الله عنها: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا يا رسول الله، وهم ينتظرونك، فاغتسل فخرج لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: ((أصلى الناس؟)) قلنا: لا يا رسول الله وهم ينتظرونك. فاغتسل فخرج لينوء فأغمي عليه، فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام.
وفي يوم الأحد أعتق عليه الصلاة والسلام غلمانه، وتصدق بسبعة دنانير كانت عنده، ووهب للمسلمين أسلحته، وكانت درعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من الشعير.
وفي يوم الاثنين بينما المسلمون في صلاة الفجر وأبو بكر يصلي بهم، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يكشف ستر حجرة عائشة فينظر إليهم وهم في صفوف الصلاة، ثم تبسم وضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يخرج إلى الصلاة.
وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحًا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إليهم بيده أن أتموا صلاتكم، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر.
إنها النظرة الأخيرة، نظرة الوداع وهو يبتسم ويضحك رضًا وسرورًا بثبات أصحابه على الحق، إنها البسمة الأخيرة التي لن يراها صحبه وأحباؤه بعدها في الدنيا، إنها طَلَّة الفراق، فلن ينعموا برؤية هذا الوجه الكريم في الدنيا بعد اليوم أبدًا، نظرة وداع يلقيها رسول الله على أصحابه، نظرة من سيد الخلق أجمعين، وحبيب رب العالمين، نظرة مودع لم يبق من عمره إلا ساعات قليلة، فيودع هذه الدنيا التي ذاق فيها من العذاب ما لم يذقه أحد، وصبر على ذلك. اقتربت ساعة الصفر لنهاية هذا السجن، لتبدأ بعد الحياة حياة لا هم فيها ولا نصب، حياة بجوار رب العالمين، وأنعم به من جوار.
عباد الله، يا أهل الجهاد والرباط، لقد كان سبب مرض النبي صلى الله عليه وسلم مؤامرة اليهودية حين دست له السم في طعامه الذي دعته إليه، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم، فقال : ((ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة)).
ودعا الحسن والحسين فقبلهما، وأوصى بهما خيرًا، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن، وطفق الوجع يشتد عليه ويزيد، وهو يقول لعائشة: ((يا عائشة، ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أَبْهَرِي من ذلك السم)). والأبهر عرق في الظّهر متصل بالقلب فإذا انقطع لم تبق معه حياة.
ثم أوصى الناس فقال: ((الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم))، كرر ذلك مرارًا.
قال عبد الله بن مسعود: لما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة –رضي الله عنها– فنظر إلينا فدمعت عيناه.
وبدأ الاحتضار، فأسندته عائشة إليها، وكانت تقول: (إن من نعم الله عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته. دخل عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك، فأشار برأسه أن نعم، فلينته فاستن بها كأحسن ما كان مستنًا، وبين يديه ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت سكرات))).
وما إن فرغ من السواك حتى رفع يده أو إصبعه وشخص بصره نحو السقف، وتحركت شفتاه، فأصغت إليه عائشة وهو يقول: ((مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، اللهم الرفيق الأعلى))، كررها ثلاثًا، ثم مالت يده ولحق بالرفيق الأعلى.
إنا لله وإنا إليه راجعون. مات الشفيق الرحيم بأمته، مات شمس الحياة وبدرها، مات الداعية الناصح، مات صاحب القلب الكبير الذي وسع المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والصغير والكبير.
مات من كان للأيتام أبًا، وللأرامل عونًا وسندًا، مات مهرَبُ الفقراء والمساكين، وملاذ المعوزين المحتاجين، مات الإمام المجاهد، مات نبي الأمة وقدوة الخلق، مات خير البشر وأحب الخلق إلى الله، مات الذي نعمت برؤياه الأبصار، وتشنّفت بسماع جميل حديثه الأسماع والآذان.
إنها المصيبة العظيمة، وكل مصيبة دون مصيبتنا بموته تهون، فبموته عليه الصلاة والسلام انقطع الوحي من السماء إلى يوم القيامة، وبموته انقطعت النبوّات، وبموته ظهر الفساد في البر والبحر، وتذكُّر ذلك تسلية وعزاء للمصائب، يقول صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أصيب بمصيبة فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدا من أمتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشد عليه من مصيبتي)). نعم _أيها الناس_ إن تذكر النبي صلى الله عليه وسلم وما حل بنا بفقده هو أعظم مصيبة.
فاصبـر لكـل مصيبـة وتجـلـدِ ... واعلـم بـأن المرء غير مخلد
فإذا ذكـرت مصيبـة ومصـابهـا ... فاذكـر مصابـك بالنبي محمـد
عباد الله، نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وبسنة رسوله , أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية :
الحمد لله ولي الصالحين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الثقلين بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:
أيها المسلمون، وبلغ أبا بكر الصديق الخبر، فأقبل مسرعا حتى دخل بيت عائشة –رضي الله عنها– ورسول الله مسجى، فكشف أبو بكر عن وجه رسول الله وأكب عليه، وقبّل وجهه مرارا وهو يبكي ويقول: وانبياه! واخليلاه! واصفياه!، بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتبت عليك فقد مُتها.
إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله رسول الله .
فلو أن رب العرش أبقاك بيننا ... سعدنا ولكن أمره كان ماضيا
لبيك رسول الله من كان باكيا ... فلا تنس قبرا بالمدينة ثاويا
جزى الله عنا كل خير محمدا ... فقد كان مهديا وقد كان هاديا
وكان رسول الله روحا ورحمة ... ونورا وبرهانا من الله باديا
وكان رسول الله بالقسط قائما ... وكان لما استرعاه مولاه راعيا
وكان رسول الله يدعو إلى الهدى ... فلبى رسول الله لبيه داعيا
أينسى رسول الله أبر الناس كلهم ... وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا
أينسى رسول الله أكرم من مشى ... وآثاره بالمسجدين كما هيا
تكدر من بعد النبي محمد ... عليه سلام كل ما كان صافيا
ثم خرج أبو بكر _وعمر يكلم الناس_ فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَـٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِينَ}.
قال ابن عباس رضي الله عنه: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها فيهوي إلى الأرض. وانتشر خبر وفاة رسول الله؛ فضجت المدينة كلها بالبكاء.
وهكذا -أيها الأحبة- طويت أعظم صفحة في تاريخ البشرية جمعاء، مات القدوة الناصح، وخير البشر، مات أفضل الأنبياء، لتبقى حياته نبراسًا لأبناء الأمة من بعده، تنير لهم طريق السير إلى الله، عبادته وأخلاقه، توحيده وجهاده، تعامله وزهده، أخذه وعطاؤه، بيعه وشراؤه.
وما مات رسول الهدى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة وترك الأمة على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك.
أمة الإسلام، يا أمة محمد ، إن حبيبكم ونبيكم محمدا مات شهيداً قتيلا مسموما، قتلته وسمّته تلك الأمة المغضوب عليها، إنهم اليهود، أهل الكذب والبهت، وأهل الغدر والمكر، قتلة الأنبياء وأكلة السحت، أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء، وطبيعتهم العداوة والشحناء، بيت السحر والكذب والحيل، لا يرعون لنبي حرمة، ولا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة.
اللهم نسألك يا الله أن تجعل كيد من كادنا في نحره، اللهم اكفنا شر العدى، اللهم بدد شملهم وفرق جمعهم واجعل الدائرة عليهم، اللهم لا تمكن الأعداء فينا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا. اللهم انصر المجاهدين في فلسطين وفي كل مكان، اللهم اجعل قتلهم لليهود إبادة, واجعل جهادهم عبادة، اللهم احفظ دينهم وعقيدتهم ودماءهم, وانصرهم على عدوك وعدوهم, وطهر المقدسات من دنس اليهود المتآمرين والمنافقين والمتخاذلين, اللهم فرج هَمّ المهمومين, وفُكَّ أسر المأسورين, وكن لليتامى والأرامل والمساكين, واشف مرضانا ومرضى المسلمين, ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم, وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
عباد الله، {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون}, فاذكروا الله يذكركم, واشكروه على نعمه يزدكم, ولذكر الله أكبر, والله يعلم ما تصنعون.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق