2025-11-11

الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ

الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ فِي تَارِكِ الصَّلَاةِ

كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات

تُعَدُّ الصَّلَاةُ عِمَادَ الدِّينِ، وَالرُّكْنَ الثَّانِيَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَالْفَارِقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ. وَلِأَهَمِّيَّتِهَا الْبَالِغَةِ، فَقَدْ عَنِيَ الْفُقَهَاءُ بِتَفْصِيلِ حُكْمِ مَنْ تَرَكَهَا عَمْدًا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ كُبْرَى اِخْتَلَفَ فِيهَا عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ اِخْتِلَافًا مَشْهُورًا، يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ حَالِ التَّارِكِ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ:

أَوَّلًا: تَارِكُ الصَّلَاةِ جُحُودًا (إِنْكَارًا لِوُجُوبِهَا):

اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الْعُلَمَاءِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا لِوُجُوبِهَا، أَوْ مُنْكِرًا لِفَرْضِيَّتِهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ. وَيُعَدُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَنْكَرَ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.

ثَانِيًا: تَارِكُ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا (مَعَ إِقْرَارِهِ بِوُجُوبِهَا):

هَذَا الْقِسْمُ هُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ الْكَبِيرِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدِ انْقَسَمَتْ فِيهِ الْأَقْوَالُ إِلَى رَأْيَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ:

1. الْقَوْلُ بِالتَّكْفِيرِ الْعَيْنِيِّ (مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ):

ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ تَكَاسُلًا يُعَدُّ كَافِرًا كُفْرًا أَكْبَرَ مُخْرِجًا مِنَ الْمِلَّةِ، وَتَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ. وَقَدْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ جَمْعٌ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مُسْتَدِلِّينَ بِصَرِيحِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»، وَقَوْلِهِ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلَاةِ».

2. قَوْلُ الْجُمْهُورِ (لَا يَكْفُرُ كُفْرًا مُخْرِجًا مِنَ الْمِلَّةِ):

ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ كُفْرًا مَلِّيًّا مَا دَامَ مُقِرًّا بِوُجُوبِهَا، وَلَكِنَّهُ يُعَدُّ فَاسِقًا مِلِّيًّا مُرْتَكِبًا لِأَعْظَمِ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ.

وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:

·         الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: قَالُوا يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا؛ أَيْ أَنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي غُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ.

·         الْحَنَفِيَّةُ: قَالُوا لَا يُقْتَلُ، بَلْ يُحْبَسُ وَيُعَزَّرُ تَعْزِيرًا شَدِيدًا حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ فِي سِجْنِهِ.

·         تَوْجِيهُ الْأَدِلَّةِ: حَمَلَ الْجُمْهُورُ أَحَادِيثَ التَّكْفِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ، أَوْ أَنَّهَا قُصِدَ بِهَا "الْكُفْرُ الْعَمَلِيُّ" الَّذِي لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ.

# خَاتِمَةٌ وَتَنْبِيهٌ:

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذَا الْخِلَافِ الْفِقْهِيِّ فِي حُكْمِهِ الدُّنْيَوِيِّ، إِلَّا أَنَّ كَلِمَةَ الْعُلَمَاءِ جَمِيعًا قَدِ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَمْدًا هُوَ مَسْلَكٌ وَخِيمٌ، وَجَرِيمَةٌ نَكْرَاءُ، وَصَاحِبُهَا مُتَعَرِّضٌ لِسَخَطِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ الْأَلِيمِ فِي الْآخِرَةِ، فَهِيَ آخِرُ مَا يُفْقَدُ مِنَ الدِّينِ، فَإِذَا ضَاعَتْ ضَاعَ الدِّينُ كُلُّهُ.

هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ

لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق